الآن تقرأ
مدونات قل- أنا فيل مخطط صغير يطير بأذنيه

الاغتراب. من منا لم يمر به؟! أنا وحيدة. وحيدة جداً. لا أحد يفهمني فيمن حولي، لا أحد يهتم بما أهتم به. تذكرت وقتها حلقة كارتون شاهدتها في صغري، تحكي عن فيل مغترب.

كان الفيل مخططاً يبحث عن صديق في الغابة، هذا كل ما أذكره. تحولت الذكرى معي إلى هوس، سأجد في تلك القصة خلاصي، علي أن أعرفها كاملة. لجأت للبحث على “جوجل”، لم أجد شيئاً ذا قيمة، حين قمت بالبحث بالعربية. شرعت في البحث من جديد، ولكن بالإنجليزية هذه المرة: “striped elephant“، لا شيء! هنا فكرت في البحث في الصور بدلاً من الويب.

وجدت بالفعل أخيراً صورة صغيرة للفيل، كان بالضبط كما كنت أتذكره، صغير، ومخطط، يقف على إحدى غصون شجرة، مع طائر يشبه الطاووس، وفي أسفل الصورة مكتوب جملة بلغة ما لم أفهمها، فتحت اللينك المصاحب للصورة، فلم أجد ما يفيد. حفظتها على الجهاز، وعملت بحث جديد بالصورة نفسها، وهنا وجدت أخيراً مبتغاي. لم أجد الفيلم، ولكن وجدت معلومات عنه، باللغة الروسية، على الفور استخدمت جوجل ترانزليت، وعرفت أنه فيلم روسي للأطفال مدته عشر دقائق، أنتج عام 1954. نسخت اسم الفيلم بالروسية، ولصقته في محرك بحث يوتيوب. وهنا وجدت الفيلم يطل علي من عمق طفولتي، والفيديو مزود بملخص باللغة الإنجليزية، يحكي باختصار قصة الفيلم.

شاهدت الفيلم، واندفع صوت الدبلجة العربية في رأسي واضحاً مع كل جملة تقال بالروسية. يحكي الفيلم عن فيل مخطط صغير، يستطيع الطيران بأذنه، يتمشى في الغابة وحيداً، ويبحث عن صديق. يقابل قرداً فوق الشجرة، فيستخدم أذنيه ليطير عالياً، ويصل لمستوى القرد، يفزع القرد حين يرى فيلاً يطير، ويدهش حين يجد أنه أيضاً مخططا.

يخاطب القرد الفيل مبدياً دهشته، فيخبره الفيل أنه يبحث عن صديق، وأنه لا يعرف إلى ماذا ينتمي بخصائصه العجيبة تلك، فيقترح عليه القرد أن يذهب إلى قطيع الحمير المخططة، بما أنه مخطط.

لا يكذب الفيل خبراً، ويذهب إلى الحمير المخططة، فيجد أماً تغني، وتعلم طفلها الصغير الغناء، يدخل الفيل بينهما مبتهجا، محاولا تقليد الأم في الغناء، والتي تفزع بدورها حين تراه، فيلقي عليها التحية، ويثنى على غنائها الجميل، ثم يقترح أن تقبله كصديق يغني معهم، فتخبره أنه مختلف عنهم، هو ينتمي للفيلة، لا الحمير المخططة، فيرد الفيل بأنه مخطط مثلهم، تعترف الأم أنه بالفعل مخطط، وتسأله ساخرة : “والخرطوم؟” تعني زلومته، فيطرق الفيل محبطاً، ويردد ابنها الصغير كلامها بنفس اللهجة الساخرة ” والخرطوم!!”.

يرحل الفيل الصغير عازماً التوجه إلى قطيع الفيلة. يجد فيلاً، يستحم في نبع ماء باستمتاع، يجري عليه، يلقي التحية، ويطلب منه أن يقبله كصديق، فكليهما فيلة، ويحاول تقليده في طريقة استحمامه. يضحك الفيل الكبير، ويقهقه ساخراً، قائلاً للفيل الصغير” ليس بالضروري أن تكون فيلاً، إذا ما وجدت لك زلومة! هل رأيت في حياتك فيلاً مخططة؟ إنها لا توجد.. لا توجد!” ..

يرحل الفيل الصغير خائباً مطرقاً من جديد، يمشي بلا هدى، فيلتقي طائرا جميلا يتبختر في السماء، منتشياً بجماله. فيطير الفيل ليحط على الغصن الذي ركن إليه الطائر. يثني الفيل الصغير –منبهراً- على جمال الطائر، فيرد الطائر عليه شاكراً بغرور، وتعال. يسأله الفيل إذا ما كان يقبل أن يكون صديقاً له، فكلاهما يطير. يرد عليه الطائر رافضاً باحتقار، كيف له أن يطلب صداقة طائر جميل مثله، وهو السمين القبيح.

يطرق الفيل حزناً، وفجأة يعلو صوت زئير، فيفر الطائر فزعاً، وتفر معه جميع الحيوانات مسارعة بالاختباء، فيما يقف الفيل الصغير مندهشاً في مكانه، ليظهر الأسد الذي فزع منه الجميع، يتوقف الأسد عند الفيل ليسأله مستعجباً: “لماذا لم تفر مثل الجميع؟” فيرد الفيل متبسطاً ببراءة: “ولماذاً علي أن أفر منك ولك مثل تسريحة الشعر الجميلة تلك”. يستغرب الأسد ويرد بحزن: “حقاً؟ لماذا يفر الجميع مني إذاً. أنا لا أعرف! فقط حين أظهر يسارع الجميع بالاختباء. أنا وحيد جداً، وأبحث عن صديق. أتعلم؟! بالإضافة لتسريحة شعري الجميلة تلك، أنا أيضاً أعزف الهارمونيكا”. يخرج الأسد هارمونيكا بالفعل، ويعزف عليها مقطوعة موسيقية، يرقص الفيل عليها مبتهجاً، وتبدأ الحيوانات المختبئة بالتلصص بعد أن تسمع الموسيقى، فترى الأسد يعزف والفيل يرقص.

تتابع الحيوانات ما يحدث غير مصدقة، وحين ينهي الأسد معزوفته تخرج الحيوانات بالتوالي، فتتقدم الحمارة الوحشية متجهة للفيل الصغير، لتعرض عليه أن ينضم إليهم، فيرد الفيل ساخراً بأن له خرطوم، فتطرق الحمارة، وتنسحب خجلاً، ليأتي بعدها الفيل الكبير، مردداً أنه ليس حمارً مخططاً، بل هو فيل شجاع أصيل، عارضاً على الفيل الصغير صحبته، فيرد الفيل الصغير بقوله ساخراً: ” هل رأيت في حياتك فيلاً مخططة؟ إنها لا توجد.. لا توجد!” ينسحب الفيل الكبير مطرقاً على استحياء، ليتقدم الطائر، مخبراً الفيل بأنه قد قبل صداقته، يرد الفيل الصغير ساخراً بأن شكله القبيح لا يليق بطائر جميل مثله، هنا يتكلم الأسد ليقول أنه هو الأحق بصداقته، ويأمّن الفيل على كلامه، فيسعد الأسد بذلك ويخبره بأنه يعرف ألحاناً أخرى كثيرة يرغب في أن يعزفها له، وينتهي الفيلم برحيل الأسد والفيل الصغير سعداء معاً.

الاغتراب لا يعني بالضرورة نقصا نعاني منه بالمقارنة بمن حولنا، بل إنه في الواقع قد يعني أننا نمتلك أكثر مما يملك الآخرون، نمتلك ما هو أكبر من أن يقدر من حولنا على فهمه أواستيعابه. عش اغترابك بحب، ولا تنبذه ربما يهديك في النهاية إلى صحبة أسد له تسريحة شعر جميلة ويعزف الهارمونيكا.

لينك الفيلم على اليوتيوب:

التعليقات

أضف ردك