الآن تقرأ
“الزين لي فيك”.. فيلم مغربي كشف عورات المجتمع ووضع الحكومة في ورطة

كثيرة هي الأفلام السينمائية والروايات الأدبية والأغنيات الموسيقية التي تقض مضاجع المجتمعات العربية، وتخلق جدلا واسعا.

“زين لي فيك” أوMuch Loved” ” هو فيلم سينمائي لمخرجه نبيل عيوش الفرنسي من أصل مغربي، أثار ضجة كبيرة في الأسابيع الأخير بالمغرب، لتناوله موضوع الدعارة في مراكش وبائعات الهوى.

استعان المخرج نبيل عيوش، بفتيات الليل اللاتي ظهرن في الفيلم، وليست هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها المخرج المغربي فيلما مثيرا للجدل، فقد سبقه فيلم “علي زوا” عن أطفال الشوارع، قدمها بممثلين غير محترفين، بل قاد تحديا من نوع مختلف، وأصر على أن يكون الممثلون هم بعض الأطفال الذين التقاهم في الشارع واصطحبهم في العديد من المهرجانات، وصولا إلى فيلمه “خيل الله”، والذي يتحدث عن التجارة باسم الدين والتطرف، وتم عرضه بمهرجان “كان”، وعدد من المهرجانات العربية.

واليوم انتفض الكثير ضده، واتهمه البعض بالإساءة لبلده، من أجل إثارة الجدل وتسليط الأضواء على قضية شائكة، بل ذهب البعض إلى أنه يتاجر بمجتمعه، وطالبوا بأن يأخذ أصحاب دور العرض موقفا محترما لصالح المجتمع المغربي.

منتقدو فيلم “الزين لي فيك” لم يعيروا أيّ اهتمام لفكرة الفيلم وصلب موضوعه، ويبدو أنهم اعترضوا حتى قبل مشاهدته كاملا، كونوا صورة عن الفيلم وأطلقوا أحكامهم عليه التي انتشرت بسرعة كما تنتشر النار في الهشيم.

تربة خصبة لإنهاء حرية التعبير

تقول “أناتول فرانس”: إذا قال خمسون مليون شخص مقولة حمقاء، ستظل مقولة حمقاء!. كل المنتقدين لفيلم نبيل عيوش، لم يشاهدوا إلا لقطات لم تتجاوز دقيقتين من الفيلم، وانتقدوه واتهموا مخرجه بمحاولة “إفساد المجتمع”. لكن هذا الحكم هو الذي طغى على المشهد، فبات كل من سمع بالفيلم سرعان ما وصفه بأشد النعوت والاتهامات.

وجدت الحكومة المغربية، التي يقودها حزب العدالة والتنمية المقرب من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، خطاب منتقدي الفيلم تربة خصبة لإصدار قرار يقضي بمنع الفيلم ،المذكور والاتجاه إلى قويض الحريات السينمائية، حيث أعلنت وزارة الاتصال أن السلطات المغربية المختصة قررت عدم السماح بالترخيص بعرض فيلم “الزين لي فيك” بالمغرب “نظرا لما تضمنه من إساءة أخلاقية جسيمة للقيم وللمرأة المغربية، ومس صريح بصورة المغرب”. وأوضحت الوزارة، في بلاغ لها، الأسبوع الماضي، أنه “بعد مشاهدة فريق من المركز السينمائي المغربي لعرض فيلم تحت عنوان “الزين لي فيك” في أحد المهرجانات الدولية، فإن السلطات المغربية المختصة قررت عدم السماح بالترخيص بعرض هذا الفيلم بالمغرب، نظرا لما تضمنه من إساءة أخلاقية جسيمة للقيم وللمرأة المغربية، ومس صريح بصورة المغرب”.

“الزين لي فيك” يكشف عورات المجتمع

لقد وصف نشطاء مغاربة مؤيدون لفيلم نبيل عيوش، عبر صفحة تدعو إلى التضامن مع المخرج، أن هذا النقاش الذي يدور حول فيلم “الزين لي فيك” نقاش خطير، يكشف عن عورات المجتمع المغربي ومشكلاته الفكرية، وعدم تبنيه لمفهوم الفن والسينما السوداء والإبداع.

الناس أرادت من فيلم نبيل عيوش أن يمتثل لطقوس المجتمع، وأن يعطي صورة جيدة عنه، وصورة جيدة عن البلاد، وكذا نساء المغرب، لكن من جهة أخرى تطورت الأمور إلى مستويات خطيرة، فهناك من ذهب إلى تكفير المخرج نبيل عيوش، وهناك من طالب بقتله أو حرقه، بحسب عدد من التعاليق التي عاينها “قلْ” على “الفيسبوك”.

ياسين حيلي، هو شاب وناشط مغربي، قال في حديثه لموقع “قلْ” لا يمكن مطالبة مخرج أو أي فنان بالنزول عند رغبة الجمهور، فهذا ضد مفهوم الإبداع ككل وتقييد لحريته. وأضاف ياسين “ثانيا لأن الفيلم الذي أمامنا ينتمي إلى المدرسة الواقعية في السينما، وهي حركة ثقافية تظهر الواقع كما هو دون تزييف، وبالخصوص ظواهره السلبية ومعاناة فقرائه وحياة بؤسائه”، معتبرا أنه “لا يعقل أن تُصنف دولة المغرب كثاني دولة عالميا في السياحة الجنسية ودعارة الأطفال وتظهر بصورة وردية كاذبة، من أجل إرضاء نفاق غالبية المواطنين”.

الحكومة في ورطة

بعدما أقدم وزير الاتصال على إصدار قرار منع فيلم “الزين لي فيك” ما هي إلا أيام حتى انطلق مهرجان “موازين”، وهو مهرجان سنوي يُنظم في المغرب ويحضره العشرات من كبار الفنانين من أنحاء العالم، الليلة الافتتاحية للمهرجان في العاصمة الرباط شهدت حضور المغنية الأمريكية الشهيرة “جنيفر لوبيز”، والتي ظهرت بملابس مثيرة بمعية مرافقيها على الخشبة، وهي اللقطات التي بتتها القناة الرسمية الثانية على شاشات المغاربة.

بالنسبة للنشطاء المغاربة، فإن الحكومة ظهرت في موضع التناقض، يقولون إنها استطاعت منع فيلم بدعوى “إساءة أخلاقية جسيمة للقيم”، وسمحت بظهور مغنين “بلباس شبه عارٍ” في “موازين”.

والسبب يعود في نظر المتابعين، لكون مهرجان “موازين” يحضى برعاية ملك المغرب محمد السادس، ويسهر عليه مقربون من الملك ومستشاره منير المجيدي، وأكثر من ذلك،  طالب ناشطون مغاربة على صفحة على الفيسبوك الوزير مصطفى الخلفي بتقديم استقالته فورا.

وبالعودة إلى فيلم “الزين لي فيك”، هناك مقولة للكاتب أوسكار وايلد “نحن نتعرض للعقاب حين نرفض، ونخنق عقولنا ونقاوم ملذاتنا فتمرض أرواحنا ونتوق للأشياء التي حرمت نفسها بنفسه” لذلك وجد الفن، للتعبير عن الجمال والترفيه والواقع وأيضا مشاعر الكاتب، فلا بد هنا من تصنيف “الزين لي فيك” في إطار السينما الواقعية، حيث الجودة الجمالية والواقعية نفسها هي قيمة مطلقة مستقلة عن رأي الإنسان، لم يعد فيلم نبيل عيوش مجرد فيلم كسائر الأفلام، فلولا إبداع الفيلم وجرأته لما خلق هذه الضجة المؤثرة حقا، ولما لا، فقد تكون هي الارتطام الذي سيخلق نقاشا فكريا معرفيا نحو ثقافة الفكرية وتقبل الاختلاف في المجتمع.