الآن تقرأ
كيف يحب الصحفي المثلية والمثليين

تركتني أمي لاسبوعين كاملين اتولى مسئولية المنزل من طبخ وتنظيف وغسيل ومكوى.. الخ، وكان علي في كل يوم أن اقوم بأعمال تثير غضبي، ولا يوجد ما هو اثقل على نفسي من الوقوف في المطبخ ونشر الغسيل، لكن هذا ما حدث، وكان علي أن ادير شئوني بنفسي، لكن في كل يوم كان هناك اسئلة بلا إجابات تنتظر رجوع أمي إلى المنزل، مثلا: لماذا يجب أن انشر الملابس الداخلية للرجال في الصفوف الأولى، والملابس الداخلية للنساء اتركها تجف في الداخل، من اخترع تلك الطريقة في نشر الغسيل؟، اذا كان نشر الملابس الداخلية محرجا، فلماذا ننشر ملابس الرجال في الصف الأول، وملابس النساء نخفيها تماما عن الأنظار؟!

وعندما عادت أمي سألتها عن السبب وراء تلك الطريقة في نشر الغسيل، قالت إنها لا تعرف لكن كل ما تعرفه إن “كل الناس بينشروا غسيلهم كده، هو احنا هنخترع طريقة جديدة”، وفي رأيها ان ملابس الرجال أي كانت غير محرجة بالمرة، لكن من العيب أن تظهر الملابس الداخلية للنساء بأي طريقة، اخبرتها عن رأيي ان المسألة تجاوزت فكرة تنظيم “نشر الغسيل” إلى ما يبدو إنه تباهي بالملابس الداخلية، نظرت لي ولم ترد، ولم تقل سوى “كل حاجة لازم تسألي فيها حتى نشر الغسيل، بلاش تنشريه تاني”. انتهت المناقشة ، لكن كان إشارة إلى أن التناقض في مصر ربما يبدأ من نشر الغسيل لكنه ليس له حدود، فالتناقض لدينا ممتد في جذور كل شيء، حتى المهنة التي درستها وأصبحت مجال عملي حتى إشعار آخر.. الصحافة، فلا يجب أن اذهب بعيدا علي أن ابدأ من مهنتي لا من “حبل الغسيل”.

في مهنتنا يبني صحفيون تقاريرهم على الفجوة بين سلوك الناس/ الحكومة وبين القانون والعادات والتقاليد والصورة التي يرسمها المجتمع لنفسه والأفكار النظرية السائدة ، لكن دون أن يقر الصحفي أنه هو نفسه يحمل تناقضا لا ينقصه الانتهازية والاستغلال أحيانا!

سأفسر لك السطور السابقة، إذا نظرت للتغطية الصحفية لموضوع مثل “المثلية الجنسية”، في كل مرة- نعم في كل مرة – تثار قضية لها علاقة بالمثليين، نجد الصحافة مرئية ومسموعة ومكتوبة، مندفعة نحو جانب واحد، تصوير متهمين، الكشف عن أسماء وبيانات شخصية، إدانة بشتى الطرق للسلوك، التحدث الى مصادر تؤكد وجهة نظر الرسمية –هي نفسها وجهة نظر الصحفي-، وغياب متعمد لصوت المثليين أنفسهم، فالجميع يتحدث عنهم لكن لا أحد يسمعهم، بناء على وجهة نظر –عميقة- لدي الصحفي تقول “هم منبوذون ويجب أن يظلوا كذلك”.

سأفترض الآن أنك لم تترك مقالي، وقررت استكماله للنهاية، اذن سأروي لك واقعة.

في كل مرة ابدأ تدريبا في صحافة الخدمات، يكون هناك نقاشا طويلا حول “السياسة التحريرية” وبعد أن نتحدث ونضع نماذج لسياسة تحريرية ترحب بكل الأصوات، لا تضع محاذير إلا فيما ندر، نقف أمام نفس النقطة، مثلا “إذا كان موقعك هدفه نشر كل الفاعليات التي تقع في محافظة القاهرة، وأرسلت لك جمعية أهلية تدافع عن حقوق المثليين، تطلب أن تنشر خبرا عن دعوة للصحفيين والمهتمين لندوة عامة- في القاهرة – عن حقوق المثليين والانتهاكات التي تحدث بشأنهم”، هل ستنشر أم لا؟.

لا يجد المتدربون ردا سريعا على سؤالي، بداية لحظة صمت، ثم يبدأ  كل شخص في النظر لمن بجواره، ثم يتطوع آخر ويقول “طبعا لا”.

أعرف الإجابة من البداية، ولكن هدفي من هذا التمرين دائما هو المساعدة في وضع سياسة تحريرية واضحة وشفافة، ليست متناقضة  بين ما نحب أن نقوله عن الوسيلة وما نقره في الخفاء، وفي نفس الوقت نضع حاجزا واضحا بين ما نعتقده نحن ونؤمن به كأشخاص وبين ما ننشره لجمهورعام صاحب توجهات مختلفة، وبغض النظر عن ما اذا كان المتدربين سيواجهون فيما بعد مثل هذا النموذج، الا أن مناقشة تحاول تحليل لماذا “لا للنشر”، ولما لا تكون “نعم”.

أليس الحدث في القاهرة، وموقعك يستهدف تلك المحافظة؟
– نعم.

هل قلت من قبل بشكل واضح اننا نرحب بكل الفاعليات فيما عدا….؟
– لا.

انت صاحب موقف من فئة بعينها، لماذا تفرضه ع الجميع؟
– لا أريد الترويج لهؤلاء الناس.

من قال أنك تروج لهم، أنت تنشر خبرا عن حدث يقع في المحيط الجغرافي والسياسة التي سبق وحددتها، ويمكن أن تنشر خبرا عن ندوة تستنكر المثلية والمثليين؟
– إنهم ضد المجتمع، ونحن نرفضهم ويجب أن لا نتحدث عنهم ولابد من تجاهلهم.

ويصبح السؤال المنطقي هنا، لماذا يذهب صحفي بكاميراته ويلتقط صور لهم من كل الزوايا الممكنة عندما تضعهم الدولة في أقفاص محكمة، ولماذا يجد في قضية القبض عليهم مادة جذابة يعمل عليها لأسابيع، ولماذا يكتب فيهم المقالات التي تنعتهم بأسوأ الصفات ويظل بقية اليوم يراقب التعليقات التي تقول “ربنا يكتر من أمثالك، الفئة القذرة دي لازم تختفي من المجتمع”؟، وهو الذي كان يرى أنهم ضد المجتمع والدين والعادات والتقاليد والقانون وضد حصى الأرض، ويجب أن يظلوا منبوذين ولا نتحدث عنهم؟!

لا إجابة، ربما يقول احد “الترافيك بقى”!

إذن، ما الذي يجب علي توقعه عن السبب الفعلي الذي يدفع الصحفيين للاهتمام بهذا الملف من زاوية واحدة؟، هل هي “الإثارة”؟ لكن إلى أي مدى يمكن أن تذهب التغطية بعيدا إذا كان هدفها فقط الإثارة؟، نشر صور، بيانات شخصية، التحريض بطريق مباشر أو غير مباشر على التنكيل بهؤلاء، إثارة غضب الرأي العام ضدهم؟

هنا يمكن أن اتخيل أن تكون النتيجة هي ما وصلنا إليه حاليا، فئة من الناس تعيش بيننا موصومة إجتماعيا، ممنوعة من التحدث، عليها فقط أن تستسلم لحياة قاسية دون حماية، ولا يمكن أن نستبعد السجن مثلما حدث في قضية اعتقال 8 رجال ظهروا في مقطع فيديو يصور “زواج مثليين” على إحدى المراكب النيلية العام الماضي، وتم الحكم بسجنهم لثلاث سنوات بتهمة “نشر صور تخل بالحياء العام” بعد أن ثبت انهم ابرياء من تهمة ممارسة “الشذوذ”، بعد حملة إعلامية بدأت على شبكات التواصل الإحتماعي وجهت الى أن الفيديو هو لحفل زواج “مثليين” وليس عيد ميلاد لشخص بحضور اصدقائه وان هذا الأمر الذي لم يتعدى “مزحة” أصبح بفضل التغطية الإعلامية جريمة تستوجب عقابا!

ربما هناك سبب آخر للاهتمام بقضية “المثلية في مصر” هو “تطبيق القانون والحفاظ على المجتمع”، لما لا؟، يمكن أن يكون هذا دافع بعض الصحفيين المتحمسين لتغطية الموضوع –رغم إيمانهم بضرورة نبذ المثليين-، لكن ماذا بشأن إنه حتى الآن لا يوجد قانون يجرم “المثلية في مصر”، وإن توجيه الاتهامات لمن يتم ضبطه يندرج تحت جرائم “ممارسة الفجور وخدش الحياء العام” التي تستوجب السجن؟!

يمكن أن اتفهم ان هناك رغبة في تطبيق القانون، لكن اليس الأفضل أن نبحث فيما هو القانون الذي نريد تطبيقه؟، والذي حتما سيقودنا إلى معرفة تجارب لدول أخرى، ومناقشتها وإطلاع الرأي العام عليها، وأن يضع الصحفي نُصب عينيه أيضا أن السجن الذي يرحب به لهذه الفئة كعقاب، هو مكان يتسع لمثل تلك الممارسات التي يرفضها، وبذلك لا يصبح مجال لتطبيق “عقوبة” وفق قانون عادل، لكنه يتحول إلى تجربة قاسية ومريرة تولد في الإنسان الغضب والحقد على مجتمع القى به الى السجن ليعيش اذلالا يوميا، وتصبح إمكانية إصابته بالامراض المنقولة جنسيا أمرا واقع يجب عليه وعلى المجتمع مواجهته والتعامل معه فيما بعد، اهذا ما يريده الصحفيين؟!

انتظر، لا تذهب بعيدا، هناك جانب مظلم أخر من قضية تعامل الصحفيين في مصر مع قضية المثلية، وهو الكيل بمكيالين، فعندما يتعلق الأمر بصاحب نفوذ تتحول القضية من جريمة إلى حرية شخصية، وعلى العكس إذا كان من قام بالفعل شخص عادي لا يمتلك اي نفوذ من أي نوع يتحول الفعل إلى جريمة تستوجب تطهير المجتمع من القاذورات!، ليست فزورة، ساشرح لك.

قالت لي صديقتي الصحفية يوما، إن الصحفيين يعرفون أن الفنانة الكبيرة فلانة “مثلية”، وأن الفنان الشاب فلان “مثلي”، ويتعاملون مع الأمر بشكل عادي تماما، لا يجرؤا أحد إلى الإشارة لهذا الأمر، بل إن في إحدى المرات اتصل هذا الفنان بجريدة وهو غاضبا لنشر صورة له “غير لائقة” من وجهة نظره وتثير الشكوك إلى ميوله الجنسية، وكان غاية في الإنزعاج وقال “انتوا بتعملوا فيا كده ليه”!، وإلى الآن مازالت الفنانة كبيرة يهرع الصحفيون إليها في المهرجانات، ومازال الفنان الشاب مقدرا وتراعى رغباته في نشر صوره كيفما يريد!

إذن، الصحفيون قادرون على التعامل مع الميول الجنسية المختلفة لبعض الناس بشكل طبيعي، فلماذا يقتصر الأمر على المشاهير؟!..

الإجابة معروفة، إنها مسألة نفوذ، فالشخصية العامة يمكنها أن ترفع قضية على أي صحفي يذكر اي معلومة عن “ميول جنسية مثلية”، لكن الأمر نفسه ليس متوفرا لمواطن عادي تم اقتياده بالخطأ إلى قسم الشرطة متهما بممارسة “الشذوذ” فتصبح حياته منذ تلك اللحظة في يد الصحفيين الباحثين عن “الإثارة” في قصة ربما يصنعها البعض منهم من خياله ولا يكتفي بالحديث عنها بل يقود حملة أمنية لشرطة “الآداب” من أجل القبض على مجموعة من الرجال في حمام شعبي، مثلما حدث في قضية “حمام باب البحر”!

في كل دورة تدريبية احضرها عقب “قضية حمام باب البحر” يتطرق النقاش إلى ما فعلته الصحفية منى عراقي في برنامجها “المستخبي”، الكل يدرك إنها ارتكبت جريمة لكن لا أحد يعرف لماذا لم يتم تطبيق القانون عليها حتى الآن؟ لماذا مازالت تعمل بالصحافة؟ وهل ما قامت به “صحافة” اصلا، وهل الصحفي يبلغ الشرطة ويقود حملة أمنية، ويذهب حاملا كاميرا لحمام شعبي ويقوم بتصوير رجال شبه عراة، ويحتمي برجال الأمن ليفعل جريمة تشهير بأشخاص وتعريض حياتهم للخطر بسبب وصمهم بهذه “التهمة” ، كل هذا وسط مجتمع يشعر فيه أناس بالفخر اذا قتلوا شخصا تصوروا إنه “مثلي”، واذا دخلوا السجن اعتبروا ذلك “دفاعا عن الشرف”؟!

لقد قرأت كثيرا عن هذه القضية، واصطدمت بمبررات منى عراقي فيما فعلته مثل إنها قامت بذلك في إطار “الكشف عن المستخبي وراء انتشار الإيدز في مصر وتجارة الجنس الجماعي” مثلما نشرت كعنوان لبرومو الحلقة، لو كان الأمر متعلق بمرض الإيدز ما علاقة مباحث الآداب؟ ان الامر كله متعلق بوزارة الصحة، واذا كانت القضية “تجارة جنس جماعي” أين ادلتها بعد أن برأت المحكمة كل المتهمين في القضية واثبت الطب الشرعي إن هؤلاء الرجال لم يمارسوا “الشذوذ الجنسي”، وإن القصة التي صنعتها لا يوجد بها “مرض الإيدز” أو “تجارة جنس جماعي”؟!،

وما محل “تأييدها فيما بعد لزواج المثليين بعد أن اقرته الولايات المتحدة” من الإعراب، ماذا بشأن الآداب والقانون ومرض الإيدز، هل صدق أحد دفاعها عندما قالت على حسابها الشخصي على تويتر “للي عايز يظيط قضيه حمام باب البحر جريمه تجاره جنس في مكان عام الي مجرمه في كل الدنيا زعلانين ليه اني ضدها .انا مع الحريه الشخصيه الي ماتضرش”!

القضية لم تنتهي هنا، فمنى العراقي تقول في حوار لموقع دوت مصر في فبراير الماضي ردا على سؤال “ماذا عن الهجوم الذي تتعرضين له؟:” فرحانة، أي إعلامي في الدنيا هدفه إنه يسلط الضوء على القضية، ألم يفكر أحد أن الحمامات المماثلة خافت وقلت، و”الناس اللي عندهم ميول زي دي خافوا”.

عظيم، منى العراقي “فرحانة” وترى إن قصتها قد ولدت الخوف في قلوب “اللي عندهم ميول زي دي”، إنها ترى نفسها “فزاعة” وإن عملها هدفه إثارة الخوف، وهذا هدف جديد غاب عن كتب الصحافة منذ نشأتها حتى الآن!

اتخيل إن عشرات الاسئلة تقفز إلى رأسك الآن عن ما الذي سيجنيه المجتمع من إشاعة الخوف بين فئة من الناس؟، وهل حل المشكلة هو “إثارة الخوف”؟ خاصة إن الخوف لا ينقصهم اصلا، هل الخوف سيقتل ميولهم، أم سيقضي عليهم وترتاح منهم “منى العراقي”، أم ماذا؟ لم تخبرنا منى عن نظريتها في أن إشاعة الخوف يمكن أن تكون حلا لقضية “المثليين في مصر”!

بالمناسبة رغم بشاعة ما حدث في قضية “حمام باب البحر” إلا إن منى العراقي ليست هي صلب المشكلة، الأصل يكمن في طابور طويل من الصحفيين الذين درسوا في كليات وأقسام الإعلام ولم يسمعوا بالتغطية المهنية لقضايا الاقليات العرقية والدينية وأصحاب الميول الجنسية المختلفة، وتخرجوا مرتدين قبعة “الصحفي حارس القيم”، ويعملون بمنطق إن تقاليد المجتمع الراسخة منذ الأزل مقّدمة على الإنسانية والرحمة وحقوق الإنسان بالتحديد حقه في الأمان وحقه في الصحة وحقه في أن يقول رأيه ويُسمع صوته!

قبل أن تغضب، ما اقوله ليس بناء على أفكار نقلتها من الكتب اليك، أنا اؤمن بذلك فعلا، وأرى فيه صلب عملنا في الصحافة، أن يكون وجود الصحفي في اي مكان هو مصدر للشعور بالأمان، وأن هناك “عين حارسة” تدافع عن الناس وتكتب الآمهم وتشير باصابع الإتهام الى الظلم والفساد والقهر وغياب الضمير، وتعترف للناس بحقوقها ولا تنتقص منها شيئا، في الوقت الذي تطالب فيه بتطبيق القانون على من افسد دون ان تساهم في إذلاله والنيل من كرامته تحت اي ظرف ومهما كانت الجريمة التي قام بها، وتضع يد صانع القرار على مواطن الخلل في القوانين، وتطرح حلولا وتناقش دون أن تنحاز لطرف ودون أن تكون محرض على طرف مهما كان، ودون أن يحمل الصحفي قيّمه للموضوعات التي يكتبها، فيصبح الأمر كما لو كنا ندافع نحن عن ما نؤمن إنه الصواب ونتحول لجلادين وبدلا من القلم نحمل سوطا نضرب به من خالف!

يصيبني القلق عندما اعترف لنفسي ان منى عراقي ليست مجرد صحفية لا تعرف اي شيء عن تقاليد المهنة التي اختارتها لنفسها، بل فكرة في رأس صحفيين كثيرين، رأيت البعض منهم في الكلية التي تخرجت فيها عندما عدت اليها منذ عامين لمناقشة موضوع “صحافة المواطن” مع طلاب الفرقة الرابعة بقسم الصحافة، وبالتحديد عندما طرحت عليهم إن المدونات كانت ومازالت مساحة لمن يغيب صوتهم في الإعلام، مثل البهائيين والملحدين والمثليين، فحول الطلاب النقاش إلى كيف نسمح لهم، وكيف يمكن غلق تلك المساحة أمامهم واسكات صوتهم للابد!، وانهم “منبوذين ويجب أن يطلوا كذلك”!

في قضية المثليين، اذا كان هناك رأيا يقول ان “المثلية مرض” فلماذا لا نناقشه ونحاول ان نشير للمجتمع على من وجدوا له علاجا، ولماذا لا نبحث عن قانون يضمن -في مجتمع مثل الذي نعيش فيه- العدالة والحماية للفئات الموصومة، ولماذا تظل فكرة رفع الوصم مستبعدة دائما، وهي ربما البداية التي تضمن ان يسير الجميع على طريق مستقيم في القضية برمتها؟!

لماذا لا نحاول ان نعيد الاعتبار لهؤلاء الرجال الذين وصموا للابد بفعل لم يرتكبوه، لقد حصلوا على البراءة بالفعل، لكن ماذا عن السجن الجديد الذي دخلوه في أعين الناس ونظرتهم، الامر تحول لسجن مدى الحياة بسبب وجهة نظر أناس منا لدور الصحافة ولم يعرفوا منها غير “الفضح والتشهير وتعريض الحياة للخطر”!

لم يغب عن مخيلتي ابدا مهما شاهدت من أفلام تتعرض للجرائم والمحاكم، ما قالته مديحة كامل في نهاية فيلمها “ملف في الآداب” الذي كان يدور بكامله عن اتهام ضابط شرطة لمجموعة من الرجال والنساء بممارسة الجنس في شقة مفروشة، وبعد أن حصل الجميع على البراءة قالت للقاضي: “حكم البراءة بتاعك ده ما يلزمنيش، حكم البراءة بتاعك يبعد عني سجن الحكومة لكن ما يبعدش عني السجن اللي بره.. سجن الحكومة له أول وله أخر لكن سحن الناس لا له أول ولا أخر.. الشارع هيبقى سجن، الاتوبيس هيبقى سجن، وكل نظرة وكل كلمة هتتقال هتبقى نازلة زي ضربة الكرباج”! يمكن ان اتخيل ان الكلام نفسه على لسان كل من تم اتهامه في قضية “حمام باب البحر”!

لم اتعلم في دراستي الجامعية شيئا عن التغطية المهنية لقضايا الاقليات، لكن بعد ان تخرجت تعلمت أن الصحافة مهنة الأصوات المتعددة، يعمل الصحفي جاهدا لكي يجد من يمثل وجهات نظر الأطراف المختلفة لقصته، ويحرص آخر على التوازن في المساحة المخصصة لكل طرف، ولا يضع رأيا ولا يصدر حكما، حتى باستخدام صورة توجه المتلقي لوجهة نظر بعينها، مع التطرف في حماية مصدره إذا كان الإعلان عن ميوله سيجلب له الضرر في عمله او محيطه.

مع ملاحظة أننا لا نتذكر المثليين أصلا إلا اذا اقترنوا بدعوى اتهام أوإدانة، مع إن المثلي الذي لم يدان في قضية ولم يقف أمام محكمة ولم يصدر عليه حكم بالسجن، ليس كونه مثلي هو كل شيء، لا يجب أن نختصره فقط في ميوله الجنسية، فربما يكون طالبا متفوقا، ناجح في عمله، صاحب ابتكار، أو إنسان عادي بدون انجازات عملية لكنه يستحق تواجد في وسائل الإعلام في مساحة توازي مساحة منتقديه.

الأمر نفسه بالنسبة للصحافة عندنا، عندما تتحدث عن “البهائيين” هم بهائيون فقط، ماذا بشأن حياتهم؟ طموحهم؟ مشاكلهم؟ انجازاتهم؟ احلامهم؟ أين هي أصواتهم في الإعلام؟

لا أعرف إجابة.

القضية هنا لا تخص فئات قرر أن يحرمها المجتمع من التنفس علنا وشطب عليها باللون الأحمر، بل قضية الصحفي الذي جلب انحيازه ومعتقداته وآرائه لموضوعات يقول إنها تتضمن معلومات، يكتبها عن أناس وموجهة لآناس آخرين، كيف يمكن أن نثق به؟، فاذا كانت قائمته اليوم فيها الملحدين والمثليين والبهائيين، ماذا بشأن تلك القائمة بعد 5 أو 10 سنوات من العمل الصحفي؟، والقارىء الذي يصفق اليوم للصحفي –حارس القيم- ربما يجد نفسه غدا في قائمة المنبوذين لديه، ويصبح من العسير أن يخرج منها وسيضيع صوته الى الأبد.

 

(Visited 201 times, 1 visits today)
عن الكاتب
سعاد أبو غازي
خريجة كلية الآداب قسم الإعلام عام 2008، عملت كمحررة شئون ثقافية في مجلة بص وطل الالكترونية، ومراسلة لشبكة الصحفيين الدوليين وهنا أمستردام، سعاد أبو غازي انشأت أول مدونة متخصصة في صحافة الخدمات في مصر عام 2010، ومستمرة حتى الآن في تقديم خدمة للصحفيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني والفنانين المستقليين، كما انها تهدف لتصبح وكالة أنباء صغيرة متخصصة في صحافة الخدمات.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق