الآن تقرأ
الأزهر لا يعرف التورنت

لولا الجملة التي كتبها المخرج يوسف شاهين في بداية فيلمه المهاجر -1994 لما عُرض الفيلم الذي حاز اعتراض رجال الأزهر وقتها. حيث كتب شاهين في بداية الفيلم " أحداث هذا الفيلم لا تمت بصلة إلى أية قصة أو حادثة في التاريخ، إنها رؤية سينمائية خاصة  مستوحاة من التاريخ الإنساني" يُحكى أن الفيلم حمل اسم "يوسف و إخوته" قبل أن يحمل اسم "المهاجر" و قبل أن يُسمى بطله باسم "رام" كل هذا من باب التحايل المقبول على عقلية الرقباء الدينيين الذين تدخلوا بمحاولات منع تصوير أو عرض أفلام أخرى منها فيلم الإرهابي "للصورة التي يقدمها عن رجال الدين الإسلامي" أو فيلم عمارة يعقوبيان "لشخصية رئيس التحرير مثلي الميل الجنسي"، "آلام المسيح" لتجسيد شخصية النبي عيسى بن مريم، و حتى "شفرة دافنشي" الذي اعترضت الكنيسة عليه في البداية للصورة التي يقدمها لرجال الكنيسة. و أخيرًا فيلم " نوح" الذي يثير جدلًا مؤخرًا لمحاولة الأزهر منع عرضه لنفس السبب التقليدي لما يتعلق بتجسيد الأنبياء.

نوح/ أوتنابشتم / اتراخاسيس.

تحكي الأسطورة كما سجلتها الألواح الباقية من حضارة أكاد و سومر و الخاصة بملحمة جلجامش الباحث عن نبتة الخلود ليشكِّل أسطورته كخالد في مواجهة الفناء/الموت أنه بعدما مات أنكيدو و عرف جلجامش عن الموت  أن الفناء سيطوله كما طال أنكيدو، يلتقي بأوتنابشتم/اتراخسيس الخالد، الذي خلق اسطورته بالفعل،  أوتنابشتم صنع السفينة ليواجه الطوفان، و في رواية أشورية أخذ أوتنابشتم  زوجًا من كل كائن ليحفظ الحياة بعد أن يأتي الطوفان، طالت رحلته حتى عرف أسرار العالم و الحياة و الخلود و عاش خالدًا, و دوره في الحدوتة الأسطورية التي صنعها عقل حكائي أكاد أن يدل جلجامش في رحلته إلى نبتة الخلود، و كيف يتجاوز المياة المميتة, و كيف يسبح في مياه البحر ليصل لكهف تنمو فيه تلك النبتة, كان اتراخاسيس يعبد الإله نمتار و دعا قومه أن امتنعوا عن عبادة آلهتكم و اعبدوا نمتار ليرفع يده و غضبه عنكم.

تحكي الحدوتة أن"  نمتار أمر عبده اتراخاسيس أن ابنِ سفينة ، واحمل فيها زوجتك وصاحبك وقريبك والعمال الماهرين ، وحيوانات السهل وطيور السماء . وترقب الوقت المحدد الذي سوف أخبرك عنه . وفتح اتراخاسيس فاه وقال مخاطبا سيده: لم ابن سفينة من قبل ابدأ ، ارسم لي صورة على الأرض حتى أرى الصورة وابني السفينة، فرسم (نمتار) الصورة على الأرض، ولما حان الوقت المعين، اصعد على ظهر السفينة عائلته وذوي قرباه وكل الصناع وحيوان الحقل وحيوان البر الموحش. أما هو فقد كان يدخل ويخرج ، فلم يستطع أن يجلس أو أن يستقر . لقد كان مكسور القلب يفيض فاه مرارة، ثم تغيرت مظاهر الجو، وأرعدت الغيوم . وبدأ الطوفان وكان في شدته على الناس كالحرب الضروس . فلم يعد بإمكان المرء أن يرى أخاه (واستحال كل نور إلى ظلمة)  ولم يعد بالإمكان التمييز بينهم لـهول الدمار . وكان الطوفان يخور كالثور . وكانت الأعاصير تعصف . وكان الظلام حالكا بعد أن اختفت الشمس وكانت الرياح الأربعة ، الريح الجنوبية ، الريح الشمالية ، الريح الشرقية ، الريح الغربية . وكانت الريح الجنوبية تقف إلى جانبه . بينما كانت الريح الغربية تعصف إلى جانبه وضلت ريح الجنوب تهب يوما كاملا، وتزايدت سرعتها وهي تهب  في حين كانت رياح الجنوب تكتسح البلاد . وعندما حل اليوم السابع خفت وطأة الزوابع الجنوبية للطوفان ثم هدأ البحر وسكنت العواصف وانتهى الطوفان".

 قصة الطوفان كما تحكيها المخيلة السومرية و البابلية باختلاف تفاصيل بسيطة كاسم البطل و اسم إلهه تشبه القصة المحكية في التراث الإسلامي و التوراتي, استمر الطوفان بحسب الرواية الإسلامية سبعة أيام و تقول الرواية التوراتية أنه استمر أربعين يومًا. إلا أن التفاصيل الأصلية للحدوتة هي الرب الذي يحذر عبده من الطوفان و يأمره ببناء سفينة و يحدث الطوفان و تسبح السفينة و ينجو من على متنها.

بإمكان دارين أرنوفسكي أن يصنع الفيلم باسم اوتنابشتم أو استراخاسيسأورام , بإمكانه أن يكتب تنويهًا كما يفعل المخرجون العرب أن القصة لا تمت لأحداث تاريخية أو مقدسات دينية و أنها مأخوذة من التراث الإنساني، و لن يجد الموظف الجالس في مكتبه بمشيخة الأزهر أي فرصة للاعتراض على عرض الفيلم كتكرار للحادث البائس الذي وقع فيه يوسف شاهين إلا أن أرنوفسكي يعرف أن العالم أكبر من هذا المربع بمساحة الكيلو متر المربع المسمى مصر، و لا يهتم به ولا بأزهره ولا كنيسته الرجل بالتأكيد لا يعرف أن الفيلم ممنوع من العرض في بلد يحول الفيروس لكفتة. لذا سيعرض الفيلم في الثامن و العشرين من هذا الشهر بدور عرض الولايات المتحدة و سيحقق إيراداته و يسير في المسار الطبيعي لأي فيلم. حتى المهتمون بالسينما في مصر لن يجدوا مشكلة في مشاهدة الفيلم عزيزي الموظف الجالس في مكتب بمشيخة الأزهر ليمنع أو يمنح الأفلام إذنا بالعرض, فهناك الآلاف على فضاء الشبكات بإمكانهم تحميل الفيلم بنسخ عرض أفضل من دور السينما و مشاهدته مع سيجارتين حشيش لن يدخنهم في قاعة السينما.

الزمن تجاوزك و تجاوز إذنك برفض أو قبول عرض الأفلام عزيزي الموظف الجالس بمشيخة الأزهر. و العالم لا يعرف بلدنا التي تحول الإيدز لكُفتة و تحمل بطاقات شخصية للحاكم و تمنع عرض الأفلام, و طوبى لحُراس المشاعية و خُدام التورنت.

(Visited 163 times, 1 visits today)
عن الكاتب
عبدالله غنيم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق