الآن تقرأ
عضمة زرقا

و لا يوم من أيامك يا معلم يعقوب.
حدثت بها نفسي و أنا خارج من خلف الجامع الأحمر بالرويعي متجهًا إلى جسر الخليج لأعبر منه للخرنفش حيث سراي أبناء الشيخ السادات لأصلح لهم بعض أمور النجارة.
علي ناصية الجسر أوقفني جندي شركسي و بعثر محتويات الخُرج، و دفع عمامتي السوداء عن رأسي، و فتش في نطاقي عن سلاح مخفي لم يجده، و جذبني من صليبي الخشبي المتدلي من رقبتي إلى صدري، و مسح زيت يده في جلبابي.
و لم يتركني إلا بعدما سبني و أمرني بألا أدلي العمامة علي جبهتي أُخفي بها وشم الصليب.
قمعت غضبي داخلي و تذكرت أيام المعلم يعقوب، (كنت في مجموع من جاءوا من الصعيد و أنضموا لفرقة حارة النصاري ، كنا نركب البغال و نمشي في الأسواق ، أذقناهم ما كانوا يُسممون بدنا به، حَرمناهم رُكوب البغال و وقفنا علي نواصي الأسواق نَدفع عِمامتهم البيضاء عن رؤسهم، و لكن الجنرال مينو أصدر أوامره بالكَف عن ذلك.)
عَدّلت هِندامي و أكملت طريقي، قرعت بوابة البيت فتحت لي جارية حبشية حالكة السواد يتعلق في جلبابها طفل لا يصل طوله لنطاقها، بشرته أفتح منها قليلا و لون عيناه زرقاء، خمنت إنها ممن تعلقوا بالفرنسيس، و سألتها عن حاجتهم في النجارة، أشارت إلى المضيفة و طلبت تصليح المقاعد و الدكك.
(كنت أرتدي بدلتي العسكرية الحمراء و أضع علي رأسي قبعة لها فرو أسود، لولا لون بشرتي لظن الناس انني من الفرنسيس، وقفت عند حائط بيت السادات و فككت نطاق السروال و أنزلته و أفرغت مائي كما يفعلها الفرنسيس، رأيتهم ينظرون إلي بغضب و أبتسمت عندما رأيت الخوف في أعينهم مني، و النساء تهرب من أمامي و هي تخفي عيونها البادية من اليشمك بأيديها، هتفت بإحداهن 
Charmante
و كانت تنظر إلي و في عينها تبسم و بريق، و جذبت اليشمك من وجهها، فصرخت ضاحكة و هربت مني
)
عَشَقت خشب الدكك و أصلحت حالها، و قدمت لي الحبشية قرعة ثريد مخفوق باللبن، تربعت علي الأرضية و أنا أتناوله، و سألتها عن الطفل هل هو ابنها؟  أومأت برأسها بالإيجاب و انفلتت من أمامي حتى لا أجرجر الكلام. ثم التفت تسألني عن أجري؟  أرسلت الأجر مع غلام من خدم سيدها و أوصلني للخارج.
(كانت الحبشيات تقفز من فوق سور الرويعي و يعبرن المتاريس إلى قلعة الجنرال يعقوب يبحثن عن الفرنسيس، لما نما لعلمهن أنهم يقصدون النساء دون تفريق فلا يهمهم في الانثى سوى فرجها، و كنا نصيب منهن ما نريد، و كنت امشي أمام بغل يحمل سيدة فرنسية أدفع عنها العوام و المتطفلين و كانت تتمايل علي المكاري تقبله و تتحسس صدره العاري و كنت أحسده علي ما يلاقاه منها، و كان من نساء العوام من تَشَبه بنساء الفرنسيس فلبسن
زيهن و خاصة مَن خُطِف من بولاق، و غُصِبن علي المواقعة فرفعوا النقاب و كشفوا صدورهن و تمايلوا فذقناهم كما استطعمنا نساء الفرنسيس)
سحبت بغلي خلفي منتظرا عبور الجسر للعودة إلي بيتي في حارة النصاري وأنا أخشي مقابلة الجندي الشركسي مرة أخرى، التفت يميني و يساري ولما أطمئننت أن الطريق خالي من العسكر قفزت فوق البغل، و لم تمر من الطريق سوا بضعة عشر ذراعا إلا ووجدت كرباج يدمي ظهري فقفزت من فوق البغل و ركضت تاركا إياه.

عن الكاتب
أحمد سعد