الآن تقرأ
هوفمان..عين الكمال في التمثيل

توفى الممثل الأمريكي فيليب سيمور هوفمان إثر جرعة زائدة من الهيروين عن عمر 46 عاما قضى نصفها تقريبا في التمثيل بين مسرحِ وسينما. ربما لم يكن هوفمان من نجوم هوليوود ذوي الصيت والمعجبين حول العالم، لكن بالتأكيد وجهه كان مألوفا للجميع. وبالتأكيد هو ممثل من العيار الثقيل، جدا!

فلنمرّ في هذا المقال مرور الكرام على واحدِ من أهم أدواره، وأكثرها إتقانا. دور الكاتب الأمريكي  Trueman Capoteفي فيلم  Capote والذي منح عليه جائزة الأوسكار كأحسن ممثل في دور رئيسي عام 2005.

قبل أن نذهب لأمريكا دعوني احكي لكم حوارا دار بيني وبين صديق هنا في مصر. كنا نتحدث عن الراحل أحمد زكي وأدواره العظيمة، وخاصة دور "محمد أنور السادات" في فيلم السادات لمحمد خان. وكيف أتقن الدور بشكل لا يُصدق. قال لي صديقي حينها "أنا دلوقتي لما باتفرج على فيديو للسادات باحسّ إنه بيقلّد أحمد زكي!". هذا -بالتحديد- هو الكمال بعينه! حين يمحو المُقلّد الشخصية الحقيقية من أذهاننا، حين يهزمُ مين يفتعل الحياة صاحبَ الحياة ذاته.

Trueman Capote  صحفي وروائي أمريكا، مِثلي، صوته أقرب إلى صوت شخصيات Looney tunes، وحركات يديه وجسمه أقل رجولة من أغلب الرجال. مدخن شره، مات في 1984 بسبب الإدمان الكحولي. وأهم من كل هذا أنه روائي. يفكر كثيرا، لا يعلم المحيطين به دائما بماذا يفكر لكنهم يعلمون أنّه الآن يفكر بأمر ما!

الفيلم يحكي عن 4 سنين محددة في حياته، وهي سنوات كتابته لكتابه الأشهر والأخير In Cold Blood، "روايته اللا خيالية". يحكي فيها عن قصة قرأها بالجرائد يوما ما عن أسرة تمتلك مزرعة مكونة من 4 أفراد تم قتلهم جميعا وهو مقيدون. يسافر ترومان للمزرعة ليبدأ تحقيقا حول ما حدث ليكتب عنه "مقالا" للنيويورك تايمز –كان هذا تفكيره حينها، فقط مقال- بعد فترة يقبض على الشابيّن الذيّن قاما بالمذبحة، يقابلهما ترومان ليكمل مقاله. ولكن بدلا من أن يعرف ما حدث ويرحل، يتورط ترومان عاطفيا مع أحد القاتليّن، علاقة عاطفية غامضة ليس ورائها سبب واضح. ليبدأ في مساعدتهما على نيل البراءة من خلال توكيل محام لهما. فقط لتبدأ معاناة ترومان الحقيقية! الرغبة في مساعدتهما من أجل العلاقة الغامضة بينه وبين أحدهما، وأيضا من أجل إنهاء "الكتاب" الذي كان على يقين تام من أنه سيغير كافة معايير الكتابة وسيصبح أعظم كتاب في عصره –وقد كان-.

نحن الآن أمام شخصية بالمواصفات الجسدية السابق ذكرها، ويطارد حلمه الذي يضطره لأن يورط نفسه في أشياء ستخسره روحه بالتأكيد، وستخسره حياته أيضا بعد ذلك!

حسنا، أنت الآن مخرج هذا الفيلم، وتودّ أن تخرج الشخصية كما هي. ماذا ستفعل؟ دعني أعطيك نصيحة أخ: فقط تعاقد مع فيليب سيمور هوفمان! فيليب في شكله يشبه جدا لترومان، أطول منه بقرابة 16 سم تقريبا لكن لو أنك مخرج "شاطر" ستتغلب على هذا "الديفو". وهو ما فعله مخرج الفيلم بينيت ميللر ببراعة يحسد عليها قد نتحدث عنها في مناسبة أخرى.

استطاع فيليب سيمور هوفمان ببراعة شديدة أن يقلّد صوت ترومان كابوتي. في الغالب عندما يفتعلُ ممثل ما صوتا ما أو لهجة ما فإنهما يخوناه حين يغضب ويبدأ في الصياح. لكن فيليب استطاع أن يبقى كاملا داخل شخصية الكاتب.

استطاع أن يتخلص تماما من وجهه ليلبس قناعا بوجه كابوتي. وجهٌ بارد وعينان جامدتان تخفيان الكثير وتتفحصان كل شيء حولهما. في المشهد الذي يتم القبض فيه على القاتليّن وتنزلهما الشرطة من سيارتها وسط حشد من الجمهور الغاضب والصحفيين. يقف "كابوتي" بعيدا ليراقبهما. أتتذكرون الشخصيات الكرتونية حين يُثار فضولها فتلمع عيونهم؟ حسنا لقد رأيتُ بكل وضوح تلك اللمعة في عينيّ فيليب. لمعة التفحّص والفضول، لمعة من يرى السُلّم لحلمه واضحا أمامه. بتأنّي يفحصهما. يفحص عرجة أحدهما. يفحص وجهيهما. ومجددا للمخرج –بالطبع- دور عظيم في إيصال هذا الشعور للمشاهد.

في النصف الأخير من الفيلم حين يدرك كابوتي تماما ما ورّط نفسه فيه. هو الآن ساعد بالفعل القاتلين لتأجيل إعدامهما قدر المستطاع ليعرف أكثر عن أحدهما. وتورط عاطفيا بشكل غامض مع أحدهما. "كأننا تربينا في منزل واحد أنا وهو، وفي أحد الأيام خرج هو من الباب الخلفي، وخرجتُ أنا من الباب الأمامي" يقول لمساعدته في محاولة لوصف علاقته بالقاتل. صرّح بكل الطرق وفي كل المناسبات لوسائل الإعلام بأنه سيكتبُ كتابا سيغير مفهوم الكتابة من بعده. ومع ذلك هو لم يكتب حرفا واحدا من هذا الكتاب بعد. وعلى الجانب الآخر يعتقدُ القاتلين بأنه قد أوشك على إنهاء كتابه. ويتوقعان منه تحسين صورتهما في كتابه هذا. "لم نكن ننوي قتل تلك العائلة، وضّحتَ هذا في كتابك. أليس كذلك؟" يقول أحدهما. فها هو الوضع الحالي، توقعات عالية من كل الأطراف. إحساسٌ منه بالذنب لمساعدتهما ولكن في نفس الوقت هذا هو حلمه. فلأطارده إذن مهما يكن. "لو لم يتم إعدامهما سأصاب بانهيار عصبيّ تام" يقولُ لمساعدته، "ربما لن أتعافى منه أبدا". مجددا، تعكسُ عينا فيليب هذا القلق بوضوح، حركات يديه وجسمه تصبحُ أكثرَ حدة وتوتر. وتعكس عيناه وصمته قلقه على مصير القاتليّن حين يُسألُ عن ذلك.

بعد كتابته لفصلين من كتابه، وقراءة بعض الأسطر للإعلام. ما زال كابوتي غير قادر على إنهاء الكتاب لأن القاتل لم يحك له بعد عن ليلة القتل نفسها. وفقط عندما يقرر القاتل أن يحكي له، يعرفُ القاتل اسم الكتاب من الصحف. "بدم بارد". يغضب القاتل، لم تكن تلك توقعاته. ليظهر هوفمان جودة لا مثيل لها في التمثيل، ينظر له في عينيه ويكذب عليه! "هذا ليس اسم الكتاب، هذا اسمُ اختارته الصحافة فقط".

حاز فيليب على جائزة الأوسكار كأحسن ممثل في دور رئيسي عن هذا الدور. ليكون فوزه الوحيد بأوسكار، تلاه ثلات ترشحات لم يفز بأيهم.  واعتُبر الفيلم واحدا من أحسن أفلام البيوجرافي على الإطلاق.

توفيّ هوفمان وبقت أدواره وستبقى السينما دائما.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق