الآن تقرأ
نيولوك النكبة

لا أذكر المرة الأولى التي سمعت فيها كلمة “نكبة”، لكني أذكر تماماً الإنطباع الذي أحاط بي، خلال ثمانينيات القرن الماضي، عن الدراما المرافقة لاسم “فلسطين”، وهي ليست دراما مجرّدة من النقد حدّ البغض أحياناً.

حينها، كانت الثورة الفلسطينية قد غادرت بيروت وخلّفت وراءها تناقضات كثيرة، إن حبّاً أو رفساً، وكانت المجازر قد حلّت في صبرا وشاتيلا وخلّفت وراءها مشهد انهزامٍ مكتمل. وكانت الأيام البيروتية أيضاً قد استمرت بالتقدّم في منحى حربيّ فوضوي ودموي، لا يضع ناسها في موقعٍ كثير التمايز عن ذاك الفلسطيني: كلنا ضحايا.

في سنوات النمو، كنت أشدّ بأذني صعوداً لأضعها على مستوى أفواه الأكبر سنّاً التي تروي انفعالاتها والآراء التي خرجت بها من التجربة. كثيرون كانوا لا يحبّون منظمة التحرير، اختبروا سطوتها كمواطنين في بيروت. لكن الجميع يأسفون على المواطنين واللاجئين الفلسطينيين لأن “قدرهم مأساوي”، كأن لعنةً حلّت عليهم، أو أن قصتهم هي حقيبةٌ من الدراما تُعجن فيه مسؤوليات الإسرائيلي والعربي والفلسطيني. ولم تتأخر سنين المدرسة الإبتدائية في مدّي برديّةٍ تشي بهذه الخلطة، كرّرها الأطفال كسؤالٍ وجواب، من باب التندّر، والأطفال أشرارٌ أيضاً. فتقول: “أين تقع آسيا الصغرى؟ في بطن أمها الكبرى / أين تقع فلسطين؟ في كيس الطين / …”.

كلمة “نكبة” كانت تصيبني باليأس. كانت تشبه صور الخارجين من الخوف إلى الرعب، بملابس النوم والأوعية المتكدّسة فوق الرأس. وهي صورةٌ كانت ولا تزال حقيقية، واقعية، تحدّد أصحاب الوجوه بدلاً من أن تستبدلهم بأصحاب العناوين العريضة التي تلغي الوجوه. لكنها وجوهٌ لقوّة الدفع، وليسوا مبرراً حصرياً لليأس ونكده. ليسوا عجيناً من المآسي، لا حول ولا قوة فيه، علينا أن ننتظر دخول برج العقرب في مدار برج الجدي ليرأف الكوكب بحالهم، ويرفع النكبة الماورائية عنهم. هذا ما كنت أسمعه في كلمة “نكبة”، وهذا ما كان يجثم على صدري منها. كأنها كلمة تستهدف الشعب، أكثر مما تصف حاله. ولذلك، كانت الثورة المراهِقة حينها تقول: فلننتهي من كيس الطين هذا، ومن الدراما المحيطة به، ومن التعتير الذي يسطّح كل شيء، ولنرفع القبضة عالياً!

ولكن حينها، كانت القبضة المرفوعة انتصاراً لفلسطين تصطدم دائماً بسقفٍ تعفّن ولا يزال هنا بثقل عفنه: إما خطابٌ إسلامي تفحّ منه العطور العابقة يؤكد أن الحلّ كامنٌ في ثنايا الجلباب، أو خطابٌ قوميّ يستمر في انفعاله وثقته بالكمال بينما الناس يسأمون أكثر فأكثر من لا جدواه، أو بالأحرى من لا جدوى خطبائه. تلك ليست أجواءً مؤاتية لرفع القبضة المراهقة! وكلما ساومتُ مع سقفٍ ورفعتها نحوه، كنت أعود من الرحلة حانقة، متخليّةً عن رهانٍ تلو الأخر على سقفٍ من هذه الأسقف: لربما يفتح نفسه ويعلو، لربما يزدهر.. ولكن، لو كان ليزدهر، لكان قد ازدهر.

لن يزدهر.

ومرّت الأيام. ودارت الأيام.

أذكر أولى لوائح المقاطعة التي عملنا على تشكيلها في جريدة “السفير” بهدف نشرها وتعميمها، وما كان الإعلام الإجتماعي حينها قد ولد. أذكر الحماسة التي اعترتني يوم وجدت بحثاً ينطق بلغة طازجة، أجريه لأدعم عبره فلسطين. كأنها الكريما على الفراولة! فقد ولد في ذهني مدخلٌ جديد، “فريش”، يمكن اختباره، بلا جلبابٍ ولا قيد، وبكل لغات البحث، وبمساحة واسعة للتعلّم. ومع الوقت، تعلّمت أيضاً أن المساحة الواسعة سيغزوها بعض العفن، وسيتعلّم بعضنا النمو خارجها، وستتسع للاختلاف، والنقاش في الاختلاف، والمواجهة مع “الحليف” على درب مواجهة العدو، وتطوير الآراء، والنمو بها خارج الآمن المعروف، ومواجهة الأسئلة الصعبة بإجاباتٍ تتبدّل مع تطوّر الفكر والأيام، ومع تطوّر البحث والناس، ناس فلسطين في أطوارها المختلفة من الضفة إلى غزة فـ 48، والقدس، وفي الشتات الناشط أينما حلّ.

يصعب على الإنسان اليوم قصد مطرح في الأرض فيه فلسطينيون من دون أن يجد نفسه بالرغبة والحماسة مقتاداً إلى ورشة من ورش المقاومة، التي تتيح للمرء أن يشعر بأنه يساهم في صناعة الحاضر الفلسطيني والعربي معاً، وبأنه جزءٌ من المقاومة الجوهرية للنظام العالمي، وبأنه محاربٌ من أجل الحرية والعدالة، وليس ضحيّةً “من مخلّفات النكبة” فحسب.

أعرف تمام المعرفة بأن “السكّة طويلة بشكل!”، ولم يعد يزعجني أن تكون قصص حياتنا مجرد تفصيلٍ بسيط في سياقٍ طويلٍ مستدام. لا أنتظر التحرير غداً، ولا أجد فيه اختصاراً لمصائبنا. إذ لا أجد أننا مكتملو العدالة، فنحن نظلم ما استطعنا إلى الظلم سبيلا، أكان الظلم طبقياً، عنصرياً، جنسياً، جندرياً، ثقافياً، … ولكني أعرف أني أساهم في سكّةٍ تضع “العرض” و”الشرف” والوعود الماورائية، دينية أو إيديولوجية، جانباً، لتمضي في بحثها المستدام نحو إرساء أكبر قدرٍ من العدالة، فينا وضد المحتلّ.

واليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، أشعر بأني جزء من حراكٍ منتشر في الداخل وفي العالم، مهما كان متواضعاً. لم يعد يختصرنا عجينُ معركةٍ مكبّلة بذاتها، تطحنها بسهولة صورة “الإسرائيلي المضطهد”. بالتراكم النقديّ، نتقدّم. فكلما تحرّر الإنسان من الظلم الكامن فيه، تراه يقوى على رفع القبضة السويّة باتجاه العدالة لهذا الشعب وهذه الأرض، ومنهما إلى العالم. وإذا كان الإعتراف بإحساس “كيس الطين” حاجةً في مرحلةٍ، فإن حقيبة الدراما قد وجدت فريقاً من العاملين على ترتيبها، يرى في النكبة حدثاً مؤسساً وليست أفق السياق، وهو فريق يريد التعامل مع مسؤولياتها: أكانت مسؤوليات الاحتلال الإسرائيلي في إرساء الجريمة، أو مسؤوليات الذات العربية الماضية في احتفائها بموروثها القمعي.

وتلك، بالنسبة إليّ، هي “ضرورات المرحلة”.

عن الكاتب
سحر مندور
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق