الآن تقرأ
كيف تبني مصر ثم تسلمها للاحتلال؟

كان جنديا صغيرا تدرج حتى وصل في المناصب إلى قائد الجند الألبان في مصر التابعين للخليفة العثماني، وزاد نفوذه عبر قوته الناعمة، حين لمس مشايخ الدولة وكبراؤها منه “حنوا” على الشعب المصري، فبدأوا في اللجوء إليه، وبدأ هو في احتوائهم، ونهى جنوده عن الاشتراك في أي أعمال عدائية ضد الشعب المصري، ورفع سيفه في صف المصريين، حتى استقر كبراء البلد على تقديم طلب للخليفة بتعيينه واليا على مصر.

مشهد مألوف، عِلية القوم وأهل الحل والعقد مجتمعين حول “محمد علي” يعلنون رفضهم خورشيد باشا، بسبب تصرفاته ومحاباته “جماعته” على حساب المصريين، يتفق الجميع على حبهم واحترامهم لمحمد علي، وأولهم محمد علي نفسه.

إصلاح ما أفسده الفساد، كان شعار الوالي الجديد، الفردية دفعته دفعا للتفكير في دولة حديثة عظيمة على غرار دول العالم المتحضر، لكن هذه الأرض لا تطرح حوارا، وهذا الشعب يسلم أمره لله ثم الحاكم، فإما أن يستغل هذا الوضع، وإما أن يغامر بحلمه في الملك، لم يفكر الوالي كثيرا، كل ما يتطلبه الأمر هو التخلص من ثلاث عقبات: كبار البلد، فلول المماليك، جنوده، فعزل كبار البلد من مناصبهم وجرد بعضهم من أمواله ونفى البعض الآخر، ثم دبر مذبحة عظيمة لـ”فلول المماليك”، الذين التقموا الطعم بسذاجة طامع لا بدهاء فارس، وتبقى جنوده، الذين وزعهم على رؤوس حملاته الحربية في الشام والحجاز، حتى ابتعدوا عن أمور الحكم والسياسة، وتناقص عددهم فيما بعد “فداء للوطن”.

استقر للوالي الحكم، وبدأ نهضته على أسس قوية، لكنها جميعها مرهونة بوجوده، فأصبح التاجر الوحيد والزارع الوحيد والصانع الوحيد والمستثمر الوحيد، ليس هذا فحسب، بل قرر إقامة “مشاريع قومية” تحسن من “وضع الدولة” وليس من “وضع المواطن”، ووضع نصب عينيه دول أوروربا في كل ما أقدم على تطبيقه في مصر، من البعثات وحتى التسليح، وما بينهما كان حكرا على “الباشا” وعلى “عائلته ومحاسيبه”.

ظل “الباشا” يتطلع ويتطلع، لذاته، ويبني ويعمر، لدولته، وفقد الكثير وحرص على شيء وحيد، “التوريث”، فحين قبل بالشروط قبل مخافة ضياع هذه المنحة، وهي التي لا يمكن أن يتخلى عنها، وحتى لو لم يكن هناك توريث، فهل كان في مصر وقتها من يملك علما ومالا ليناطح “دولة الباشوات”؟

21927

وهكذا، بسقوط الباشا الذي كرس كل شيء لبناء الدولة وكرس الدولة لنفسه ولقبيله، سقط اسم مصر، وفتح المصريون أعينهم على مستعمر يتسلل عبر جسر يسمى “معاهدة لندن”، يستبيح أسواقهم وغلالهم عبر إقطاعيين لا يهمهم سوى تجارتهم، حتى وإن روتها دماء المصريين، إلى أن قرر المستعمر الاستيلاء الكامل على هذه المؤسسات التي تدين بالولاء للقوة لا للوطن وشعبه، وعلى رأسهم الخديو، الذي سلمهم مفاتيح مصر في الإسكندرية، فما جادت علينا فردية الحكم وبناء دولة على دماء المصريين سوى تحقيق حلم الباشا، وتجريف أجيال وأجيال من قيادة واحدة لا ترتدي بزة النياشين المتخمة، فمن يختزل إدارة الدولة في فئة كمثل من يكنز الذهب والفضة، ويواريه التراب ويرثه من يرثه، أو يستطيع لص ماهر أن يسلبه “تحويشة العمر”.

عن الكاتب
حسن معروف