الآن تقرأ
عن خطاب الحب الأموي

هل يمكن الكتابة عن الأم دون الوقوع في المُبالغة، والأوديبيّة، والكليشية؟ هل يمكن الكتابة عن الكيان الذي نكون جزء صغير داخله ونخرج منه إلي العالم الواسع ليكون المصدر الرئيسي للطعام والتواصل، دون التطرق إلي حيل وأستراتيجيات شعريّة؟ هل نحتاج إلي أن نعدّد وجوه الأمومة، من بيولوجيّة، وروحيّة، وقانونيّة، ورمزيّة إلخ.. حتي نقف صامدين أمام البناء الثقافي للأمومة؟

يقول شارل بودلير في إحدى قصائده: “إذا كان هناك ظاهرة واضحة مسلم بها، متشابهة دائماً، وذات طبيعة في ذاتها من المستحيل أن نخطئها، فهي الحب الأموى.” لكن ماذا عن الأم التي تقتل طفلها؟ تعذب طفلها؟ تترك طفلها؟ تمتنع عن طفلها قبل أن يجيئ؟ وبالعكس أيضاً، ماذا يكون شعور الطفل غير المفضل لأمه؛ الطفل المهجور من أمه؛ الطفل المُعذَب من أمه؟ الطفل اليتيم عن أمه؟ هل نتحدث هنا عن حب صاف، بديهي، جلي ومُثبت ذاتياً؟

لكن أليس لقب الأم نفسه ينصب دوماً شراكه وشبكته الخاصة لنا، بحضور علاقات البنوة والأبوة والوجود داخله؟ هل يوجد أُم بدون طفل، أُم بدون أب، أُم دون حضور مفهوم سبب الوجود؟ في التاريخ الجمعي الرمزي هناك إستثناءات تدعو إلي النظر إليها ومساءلتها: هل كانت الجنة مكتملة وتامة لآدم دون حضور أمه، هل كان سيسقط إلي دينونة أبدية دون الشعور الطاغي بالفقد والنقص والأحتياج لشئ متمم؟ هل كان سيتجاوب بنفس الطريقة مع اقتراح المرأة الوحيدة في حياته – حواء، بالذهاب والأكل من شجرة المعرفة؟ هل أخذ الشيطان في هذا النظام الفردوسي دور الأم، بنصيحة أبناءه للإكتمال إلي مصاف الآلهة؟ هل كان وجود أب كامل مثل الرب نفسه غير كاف لآدم وحواء؟ هل كانت الجنة نفسها هي رحم الأم الذي قذفهما إلي العالم، ليأكلا بنفسيهما بعد فطامهم بسيف النار، ليستطيعا أن يكونا فردين كاملان يقدرا علي التزاوج والإنجاب؟ وهل، في الحالة المعاكسة؛ المسيح مع أمه دون أب، سبباً للوصول إلي الألوهية، كأن الحدث مرآة معاكسة لسفر التكوين؟ هل كانت الأمومة المزدوجة المتناقضة للنبي موسي -أم عبرانية وأخرى مصرية- وضع مؤسس لهوية الشعب العبراني بأكمله؟ هل كان شعور النبي محمد باليتم، بلا أمومة في مجتمع موحش، محركاً أساسياً لمسعى روحاني ودنيوي للعدل والكفالة؟

وفي حاضرنا الذي نعيش فيه، عن ماذا يتم الحديث في عالم يقدس الأم ويحتقر المرأة كأنهما كيانان منفصلان بالكامل، كائنان متناقضان؟ هل يمكن بالفعل الفصل بين الحضور الفيزيقي والثقافي الرمزي للأم؟ هل يمكن فصل الدوال اللانهائية الحاضرة في جسد الأم عن كينونته كجسد؟ كيف يتم إلغاء رمزية الجسد لصالح تلك الدوال الفائضة للأم، في حين يتم قمعها في حالة المرأة كإمرأة: زوجة، أو أخت أو صديقة أو أجنبية؟

هل كان فرويد مخطئاً حين أوضح أن الخطاب الوحيد الذي يمكن توجيهه إلي الأم لا يمكن أن يكون إلا خطاب حب؟ وماذا يمكن أن يؤسِّس هذا الخطاب سياسياً واجتماعياً وثقافياً في عالمنا اليوم، كيف يتواجد خطاب الحب اليونيفرسالي هذا ويجاور خطابات العنف، الإستهلاك، الذاتويّة، الذكوريّة والكلبيّة؟ هل إزاحة بنية الأسرة، التي يسكن داخلها مفهوم الأم، لصالح بنيات علاقاتيّة أخري مرتبط بإزاحة الحدود الجيو-بوليتيكيّة والإقتصاديّة بمترادفين العولمة والإرهاب؟ هل تفكيك هذا الخطاب يستدعي بالضرورة تهاويه؟ هل كان بودلير، وغيره من الشعراء والمفكرين الذين يتبنون وجهة نظرة تلك، خاطئون بشكل نهائي وبائس؟ والسؤال الأهم: هل يحتاج العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضي، إلي الشعر والأم، أم أن العجلة قد تحركت بلا رجعة نحو خارج أراض الفردوس، من أجل إنسان جديد؟ هل يمكن أن نصل إلي هذا الإنسان الجديد دون أم؟

عن الكاتب
مينا ناجي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق