الآن تقرأ
الطريق إلى أبيدوس 2.

يقول لي مارك وهو يستعد للرحيل من مصر “ولكن هناك المزيد من الأشياء التي أريد أن اصطحبها معي إلى كندا؟، اسأله  عما يريده وانا مستعدة تماماً لتوفيره حتى لو كان الوقت المتبقي دقيقة..فيقول بخفة ظل :”أنت!”

مارك وجانيت تجربة فريدة في حياتي لن أنساها ابداً، بعد أن عدت إلى القاهرة، قضيت اليوم الأول استعد للجلسة المنتظرة التي تحدثت عنها في المقال الأول الطريق إلى أبيدوس 1.. أمورة جانيت ومتصلة بالأرواح” ، طهوت لهم طعاماً نباتياً، نظفت الشقة، جلست اتمنى لساعات أن تكون جانيت صادقة، وكلما اقترب الوقت الذي من المفترض أن اصطحب فيه مارك وجانيت إلى غرفتي، أشعر أن علي التراجع  أو الاسراع في الخطوة قبل أن اتراجع.

جلست جانيت على الفراش الصغير المجاور لفراشي، تحدثني عن نفسي، أسمعها وأنا بالي مشغول منتظرة أن تنتهي من “قرائتي” حتى أطلب منها أن تحاول التواصل مع أبي.

بعد أن مرت التجربة احترت كثيرا كيف سأكتبها، في النهاية قررت ألا أنقل انطباعي أكثر ماسأنقل الجلسة كما هي وكأنها تفريغ لما حدث، جلست جانيت على الفراش المجاور لفراشي، بينما قرر مارك أن “يريح شوية” تحت وطأة المحشي، اغمضت عينها وبعد أقل من 5 دقائق أخبرتني أن روح أبي تعطيها رموزا لا تفهمها ولكنها موجهة لي حتى أتأكد أنه هو، في البداية رأت “كماشة أو شاكوش” على حد قولها، فأخبرتها أنه ربما هذا بسبب أن أبي طبيب أسنان، تاني إشارة كانت “سيشوار” وتلك كانت صعبة التخمين على جانيت، من الصعب تخيل أن هناك رجل كان يجفف شعره بالسيشوار من شبابه حتى موته، هذا الرجل أبي ، كان نزيهاً رحمه الله، والأهم من ذلك، أن أبي أكثر من مرة في مناسبات سعيدة، عندما كانت تستغرق أمي وقتاً في ارتداء الملابس، كان يقوم بتجفيف شعري بالسيشوار وهو يغازلني ويدغدغني، الإشارة الثالثة سألتني جانيت عن واقعة مضحكة خاصة بفك أحد الاشخاص، عند تلك النقطة بدأت أتوتر، حيث أن في منزلنا القديم كانت لدينا جارة تصاب دائما بتشنجات في الفك، وفي أحد المرات قررت أن تتثاءب بعفوية أكثر من اللازم فانفتح فكها ولم ينغلق وذهبنا بها إلى الطواريء ولم يغلق فكها لمدة طويلة جداً، الأمر  لم يكن مضحكا في لحظتها لأنها كادت أن تختنق ولكن بعد أن تعافت ظل أبي يمازحها بخفة دمه المعتادة كلما رآها.

الإشارة الرابعة كانت عبارة عن شكل كلى، وهذا تفسيره بالنسبة لي أن أبي كان يعاني من مغص كلوي قوي كل فترة وكنا نضطر أن نستدعي  الإسعاف في كل مرة، بعد تلك الإشارات كان من الصعب علي أن اتجاهل أن الأمر قد يكون حقيقيا ولهذا سألتها وماذا يقول لك الآن ، كانت تبتسم، بالنسبة لي كانت تلك الإشارة الخامسة، لأن أبي كان لا يكف عن المزاح أي كانت الظروف، فقالت لي إنها عندما سألته لماذا استجاب سريعاً فقال لها ” ما أنا قاعد مستنيكي تخلصي رغي بقالي ساعة”، يبدو أنه كان ينتظر تلك الجلسة مثلي.. هكذا أخبرتني جانيت.

بعد ذلك الحوار الدائر بيننا من خلال جانيت كانت كلها أمورا خاصة جداً، ولكن ما حدث في الغرفة خلال هذا الوقت من وجهة نظري كان غريبا، فقد بدأت اشعر مع الوقت وكأن تلك الغرفة ليست غرفتي أنا بل هي غرفة جانيت وأنا في منزلها، رؤيتي كانت مشوشة وكأن هناك دخانا في الغرفة وبعدها شعرت بدوار خفيف جعلني استلقي على ظهري لدقائق لاستعيد توازني، لم يكن لدي شك أن ما حدث في هذا اليوم هو شيء جديد اختبره للمرة الأولى سواء قامت جانيت بالفعل بالتواصل مع أبي أم أنها فقط لديها تلك الطاقة المرعبة في الايحاء ، في الحالتين هي فتاة مميزة ومارك أكثر تميزاً حيث منحني قبل رحيله جلسة علاج بالطاقة التي يقول عنها المصريون أنها شعوذة، ما رأيته في خيالي أثناء تلك الجلسة، كان مسليا وحقيقيا وشعرت به في جسدي أكير من رحلة LSD، ليس أقوى تأثيرا، ولكن ما تختبره وأنت في كامل وعيك، يكون تأثيره عليك أقوى مما تختبره وأنت تحت تأثير مخدر، والأمر  الذي تأكدت منه أن الطاقة “بتعمل دماغ” مثل المخدرات تماماً خاصة اذا مررها شخص محترف ومميز مثل مارك لجسدك.

الأمر الذي خرجت به من تلك التجربة هو أن  جانيت أعادتني إلى أبي الذي كنت بعدت عنه من أعوام عدة، منذ أن قررت أن اخلع الحجاب، كان تفكيري الضئيل يصور لي أنه غاضب مني، كنت اتخيله بنفس الصورة البشرية وليس صورته الروحية، الأرواح لا تغضب منا عندما نخطيء أو نتعثر، هي تساعدنا فقط ، وتصلي من أجلنا،لن تحكم علينا، ذا ما اؤمن به الآن.

تلك التجربة علمتني أن أعود إلى أبي دون ذرة خجل وأن أضع عيني في عينه وأقول له هذا أنا وهذه تجربتي بكل أخطائها ونجاحاتها، وأنا  اعلم أنه طريق يجب أن اسلكه واعلم جيداً انك تدعمني فيه.. وآسفة على التأخير.

(Visited 132 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أميرة حسن الدسوقي
أميرة حسن ابراهيم الدسوقي خريجة كلية الاداب قسم اعلام وعلوم اتصال دفعة 2006،تعمل صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية، عملت في العديد من الجرائد المصرية و العربية منها الدستور والمصري اليوم والحياة اللندنية، لها مجموعة قصصية في المكتبات بعنوان "بس يا يوسف" وقد حصلت تلك المجموعة على جائزة ساويرس.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق