الآن تقرأ
قصة قصيرة- ملك..من مجموعة ليلى والفراشات الفائزة بجائزة المواهب الأدبية

ملك. الطفلة الصغيرة التي تسكن الطابق الأرضي. عيناها حزينتان دومًا وممتلئتان بالدموع. أهدابها سوداء طويلة. تجلس على عتبة بابها وتنظر إلى الأرضِ شاردة في حزنها. بجوارها ترقد دميتها وقد انكسرت قدمها. وأنا بالرغمِ من تعجلي وجدتها فرصة مناسبة للضحكِ. سألتها عما بها فلم ترد. سألتها مرة أخرى “من كسر عروستك؟” فظلت على تجاهلها لي. قلت لها مازحًا قبل أن أغادر “والدك طبيب فلماذا لا يعالجها؟” سمعتها تشتمني وتلقي بحذاءها الصغير عليّ. ضحكتُ بصوت عال فطاردتني لتركلني بقدمها. قلتها لها معتذرًا “أنا آسف. آخر مرة والنبي”. لكنها لم تقبل أسفي. قالت لي بحزنٍ عميق “قلبي منكسر مثل هذه الدمية. وأنت لا تحس!”. وجدتني أفكرُ في ملك وأنا أسير، وأضحك. أعتدتها حزينة دومًا. تبكي دمية مكسورة أو بطلة في فيلم أو قطة تموء في الليل. لكنني، وبرغم اعتيادي، لم أزل مندهشًا أمام حزنها العميق. لا أعرف السر وراء دموعها العالقة في رموشها، وبكاءها، وصمتها الدائم. أتسائل “ماذا يعرف الأطفال عن الحياةِ كي يحزنوا؟” وأضحك. ملك. الطفلة الصغيرة التي تعد عمرها على أصابع يدها الواحدة. تصعد إلى بيتِ أمي في الطابق الثالث لتقص عليها مغامراتها. تجلس على حجرها لتسرح شعرها الأسود الناعم. تخبرها أمي “أنت أجمل طفلة في الدنيا” فتضحك. تصبح مثل شخصيتها الكرتونية المفضلة حين تضحك. يمتلأ خديها بالحمرةِ وتلمع عيناها وتتسع. لكنها لمّا تراني تقطب حاجبيها وتكشر. وتعتذر لها بأن عليها الرحيل. تسألها عن السر فتهمس في أذنها ضاحكة “إذا جائت الشياطين رحلت الملائكة”. وتغمز لها. فأضحك. يستفزها ضحكتي كالمعتاد فتصفع بابنا وراءها. نسيت أمر ملك تمامًا. وانشغلت في العمل. أمر على عشرات المقاهي في اليوم الواحد وأعرض بضاعتي التي لا تروق لأحد. شاحن موبايل، هاند فري، جرابات. لكن الناس لا يثقون في الغرباء. ينهض أحدهم في المقهى وينادي “خالد. تعال”. وعندما أقترب يقول بصوت عال “بضاعتك جيدة. اشتريت منك من قبل. أريد شاحن”. وبالمثلِ يفعل آخر. يطمئن قلوب الناس وينادون عليّ بدورهم. عدوى تصيب الناس جميعًا. فجأة يحس الناس أنهم بحاجة إلى شاحن أو هاند فري. كأن حياتهم متوقفة على وجود هذا الشيء. وفي الحقيقة سينسون ما اشتروه في الدرجِ ولن يتذكروه. حيلة جيدة لكن لها ثمن. في نهاية اليوم نتقاسم المبلغ مع هؤلاء الأوغاد ولا يتبقي لي سوى حصة ضئيلة. رن موبايلي كثيرًا أثناء اللف على المقاهي والبيع، لكنني كنت منشغلاً للدرجة التي أنستني الرد. ورن مرة أخرى وأنا أشتري دواء من الصيدلية. كان رقمًا غريبًا. قلت “ألو”. جائني صوت والد ملك يقول لي متعلثمًا “خالد. البقية في حياتك”. وعرفت أن أمي قد وافها الأجل. ووجدتني أجيب بصوت هاديء “ونعم بالله!”. وأغلقت الخط ثم طلبت من الصيدلي أن يستعيد دواءه ويعيد لي نقودي. فنظر إلي مندهشًا ثم قال “كلنا لها يا أستاذ!”. مشيت طويلاً في طريق العودةِ شاردًا. سيارات تمر هنا وهناك: عربات أجرة، تاكسي، أتوبيس عام. أشياء تذكرتها بعد العزاء بأيام. لم أعرفْ لماذا لم أركب واحدة منها؟ أو لماذا لم أصرخ في الشارع من شدة حزني؟ ظللت صامتًا مثل تمثال. عيناي لم تدمع. قلبي لم يتوقف. ولم أعرف فيم كنت أفكر بالتحديد. بطريقة ما وجدتني أتذكر ملك. ستبكي كثيرًا عليها وسيتمزق قلبها. رن هاتفي مرة أخرى. كان والد ملك. سألني قلقًا “لماذا تأخرت؟”. فقلت “دقائق فقط”. وقبل أن أغلق الخط سألت متوجسًا “هل عرفت ملك؟”. فقال لي متعجبًا “ملك! لا لكن لا؟ خالد. هل أنت بخير”. أغلقت الخط سريعًا. وشعرت أن قلبي ينقبض من شدة الجزع. كدت أن أدلف العمارة لولا أن رأيت ظل ملك، أمام عتبة بيتها، ترتدي فستانا أبيض اللون وتسند رأسها على كفيها. ألقيت عليها نظرة ثم وجدتني أعود إلى الشارع. ولم تمر دقائق حتى عدت إليها وفي يدي دمية جديدة. أعطيتها إياها وأنا أنظر في أعماق عينيها. وابتسمت بصعوبة قائلاً “لا أريد لقلب ملك أن ينكسر”. فابتسمت لي وهي تأخذها ورسمت على خدي قبلة. وقبل أن أصعد الدرج نادتني قائلة “خالد أنت زعلان!”. ولم أستطع النظر فيها عينيها فهززت رأسي أن لا. لكنها عرفت سري وقالت بعينيها الدامعتين “حزين”. ورأيتها تجلس على الأرض، أسفل جدارها، تنسى دميتها الجديدة ولأجلي تحزن وتقول “قلب ملك حزين ومكسور”.

عن الكاتب
مصطفى الشيمي