الآن تقرأ
أحاديث رمضان سؤال للمفتي: ما حكم الكتابة السياسية في شهر الصوم؟

* نشرت “أحاديث رمضان” لطه حسين في جريدة الجهاد المصرية عام 1935، وقد كانت تحمل أرقاما بدلا من العناوين التي وضعها جامع المقالات إبراهيم عبد العزيز وقدمها في كتاب “أحاديث رمضان ورسائل الرئيس السادات إليه”.وتعيد “قل” نشرها خلال شهر رمضان.

وكذلك أرادت الصحف منذ أعوام طوال أن يكون لرمضان أحاديث وأرادتنا نحن الكتاب على أن نلقى إلي الناس هذه الأحاديث، وأكبر الظن أن حب الصحف لقرائها وحرصها على أن ترضيهم واجتهادهم في أن تقدم إليهم ما يحبون إذا أصبحوا وإذا أمسوا، ورغبتها في أن تهون عليهم الصعب وتيسر عليهم العسير، وتعينهم على احتمال الحياة وما فيها من أثقال، أكبر الظن أن هذا كله هو الذي حمل الصحف على أن تجعل لرمضان أحاديث، وتطلب إلي الكتاب أ يلقوا هذه الأحاديث إلي القراء.

وفي رمضان مشقة وجهد، فمن المعقول أن تفكر الصحف في أن تخفف عن قرائها هذه المشقة وتعينهم على احتمال هذا الجهد، وفي رمضان عناية خاصة بالعبادة وحرص ممتاز بالسعي إلي رضا الله عز وجل، وابتغاء مثوبته وإيثار المنزلة عنده، فمن المعقول أن تفكر الصحف في أن تعين قراءها على هذه العبادة وتمد لهم الأسباب التي يبتغون بها الوسيلة عند الله، وتنشر لهم من الأحاديث ما يسهل عليهم ذلك، وما يصرفهم وقتا طويلا أو قصيرا عما ينبغي أن ينصرف عنه الصائم الذي لابد له من أن يجتنب الإثم ويعرض عن اللغو ويؤثر الخير ما وجد إلي إيثاره سبيلا.

فالصحف حين تتكلف أحاديث رمضان لقرائها تعينهم على خير محقق وتصرفهم عن شر ممكن، وهي من أجل هذا تقدم إليهم الحسنى وتستوجب عندهم الرضى عنها والتنافس في قراءتها.

ولكن التحدث إلي الناس في رمضان فيما أعتقد فن لا يحسنه الناس جميعا، ولا يكفي أن أكون كاتبا مجيدا لأحسن هذا النوع من الحديث الذي يحتاج الناس إليه في رمضان، وأنا فيما أظن أقل الناس حظا من الأمل في إحسان هذا الحديث، فالصائم محتاج إلي أن يتحدث الناس إليه بما يعظ القلب ويزكي النفس ويبصر بالدين، ورجال الدين والحمدلله كثيرون، ومنهم الذين يعظون فيحسنون الوعظ، ويزكون فيجيدون التزكية، ويبصرون الناس في دينهم فيحسنون التبصير، وما ينبغي أن يفتى ومالك في المدينة كما كان يقال، وفي مدينة القاهرة أئمة في الفقه الإسلامي يمثلون فقه المدينة وفقه الكوفة وفقه بغداد وفقه الفسطاط أيضا، فلهم التحدث إلي الناس في رمضان بما ينفعهم في أمور دينهم ويظهرهم على أسراره القيمة وحكمه البالغة، وليسوا بمقصرين في ذلك والحمدلله، فهم يكتبون في الصحف ويقصون في المساجد، ويتنقلون بمواعظهم في مجالس السمر التي يكثر الناس الاختلاف إليها في رمضان.

ومن الصائمين من يحتاج إلي أن يقطع وقته أو جزءاً من وقته طويلا أو قصيرا بشيء من الفكاهة البريئة الطاهرة التي لا إث فيها وجناح على أصحابها، يستعين بذلك على مشقة الصوم ويستعجل بذلك مغرب الشمس، وإعلان المؤذن أن الله قد رفع عن الناس المشقة ورخص لهم في أن يصيبوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب، وكثير من الصائمين يسمرون الليل كله أو أكثره وينامون أكثر النهار، وهم مع ذلك إذا استيقظوا ساعات من نهار قصير يستطيلون هذه الساعات على قصرها، ويودون لو شغلوا عنها أنفسهم بقراءة تنسيهم الصوم ولا تورطهم في حرج أو جناح، ولست أنا مع الأسف أو مع السرور من أصحاب هذه الفكاهة ولا من القادرين عليها والماهرين في تصريفها.

وإنما أنا رجل لا يكاد يعرض لموضوع من موضوعات الكتابة حتى يأخذه من أدنى نواحيه إلى الجد وأقربها إلى الشدة والجهد، وإذا هو يشق على نفسه وعلى قرائه، مغرم بالبحث والتحليل، مشغوف بالاستقصاء والتعليل، وأين هذا الصائم الذي يسمح له وقته وتعينه قوته على أن يقرأ فصولا قوامها التحليل والتعليل، والبحث والاستقصاء.

ولست متواضعا ولا متكلفا ولا ظالما لنفسي، فلعلي أحسن الفكاهة في بعض ما أريد وبعض ما يريدون، ولكن أين أنا من السياسة وأين السياسة مني؟ بل هبني أستطيع أن أعالج السياسة وأتصرف بالجد والهزل في موضوعاتها المتخلفة، فإن نصحي للقراء، وإيثاري لهم بالعافية، وحرصي على أن أجنبهم الشر، وأباعد بينهم وبين المكروه، كل ذلك كان خليقا أن يحملني على أن أتجنب السياسة في رمضان، ولو أن الكتابة السياسية مباحة لي لا يقوم القانون بيني وبينها، فالسياسة التي يمكن أن يكتب فيها الكاتبون الأن بعيدة فيما يظهر كل البعد عن أن تلائم صوم الصائمين، سواء أكان هؤلاء الصائمون كتاباً أم قراء. وهي مثيرة للغيظ، مهيجة للحفائظ، مغرية بالشر، وما أجدر شهر الصوم أن يباعد بين الناس وبين ما يحفظ ويغيظ ويطلق الألسنة باللغو ويجري الأقلام بالشر ويحمل الناس على مالا يلائم حلم الحليم ولا وقار الوقور.

وليت شعري ماذا يرى شيوخنا أثابهم الله لو أن مستفتياً سألهم عن الكتابة في السياسة أثناء شهر الصوم، كما تعود الناس أن يكتبوا فيها لا في مصر وحدها بل في مصر وفي غيرها من البلاد الأوروبية الراقية- أمباحة هي! أن محظورة! أم مكروهة! مهما يكن من شيء فإني أحمد الله على أن القانون يحظر على الكتابة في السياسة حظرا فيعفيني من أن أتورط وأورط الناس معي في شر لا يلائم هذه الشهر الكريم، أنا إذن أقل الناس كفاية للنهوض بما طلبه إليَّ صديقي صاحب “الجهاد” من التحدث إلى القراء في رمضان لأنى لست من رجال الدين، ولا من أصحاب الفكاهة، ولأن ما أستطيع أن أكتبه خليق أن يشق على القراء ويزيدهم جهدا إلي جهد، وكدا إلي كد، ولكن توفيقا مع هذا أبي إلا أن يكلفني هذه الأحاديث، ولم ترضه مني هذه المعاذير التي فصلتها للقراء تفصيلا. بل لم ترضه مني معذرة أخرى قد تتصل بي أنا دون القراء، وهي أني أقل الناس قدرة على التزام الكتابة في كل يوم، وأقل الناس قدرة على اختيار الموضوع الذي أتحدث فيه إلي الناس كل يوم.
وإنما أنا رجل جامح النفس، نافر الفن، لا أكتب حين أراد على الكتابة، بل لا أكتب حين أريد الكتابة، وإمنما أكتب حين تفرض الكتابة نفسها عليَّ فرضاً.

ورغم هذا كله أبى “توفيق” إلا أن أكتب “أحاديث رمضان” وأستجيب له وأنا أول المظلومين لتحكم الصديق، وأخشى ألا يكون القراء أقل انظلاما مني.

ولكنني مطمئن إلي أني سأكتب لهم الجيد حينا والردئ أحيانا دون أن أتعرض منهم لسخط أو غضب أو إنكار حين يقرءون مالا يحبون.

فالصوم لا يحب السخط ولا الغضب، وإنما يحب الحلم والمغفرة والتجاوز.

وللقراء بعد ذلك عليَّ ألا أخوض معهم أثناء هذا الشهر في لغو ولا أتحدث إليهم إلا بما يلائم الصوم من حديث، إلا يكن دينا خالصا فسيكون متصلا بالدين، وإلا يكن فكاهة خالصة، فسيكون متصلا بالفكاهة.

ولنبدأ هذا الحديث من غد، وحسبنا اليوم هذه المقدمة الطويلة التي سيقرؤها القارئ فيود لو يستطيع أن يسخد على الإطالة والمطيلين وعلى الثرثرة والثرثارين، ولكنه لا يستطيع أن يسخط لأن الصوم يعصمني من سخطه، فليعتصم هو بالصبر إذن، فلعل حديث غد أن يعوضه من حديث اليوم خيراً.

 

 

 

عن الكاتب
أحمد بلال