الآن تقرأ
رامز واكل الجو..عن ضحايا الشاشة وضحايا الواقع

يقدم رامز جلال سنويا برنامجه الرمضاني سنويا حول مقالب شريرة يدبرها لأصدقاؤه المشاهير و تتراوح بين  الاحتجاز في مقبرة مع مومياء  أو أسد يفاجئهم في ردهة المصعد أو قرش جائع يدور حول قاربهم أو طائرة تهبط بسرعة مخيفة نحو التحطم.

يحقق هذا البرنامج نسب مشاهدة خيالية، يشهد بذلك سعار الإعلانات المصاحب له و حالة الاكتفاء و الامتلاء لهذا النجم التي جعلته ينسي مهنته الحقيقية في التمثيل و يكتفي بهذه الإطلالة من رمضان لآخر.

ليس من المنطقي استيعاب هذا الاقبال المحموم علي مشاهدة خدعة يفترض أن تستفز مشاعر الهلع لدى نجم شهير و تجعله على حافة الانهيار يستجدي و يتوسل لمن حوله و لربه أن يمنحه فرصة أخري ليحيا،  مشاعر من الهلع الممتزج بالهيستريا و السباب لكل شيء و للاشيء ، هذا ما يدور أمام الكاميرا الخفية و خلفها تجد مشاعر شديدة التناقض حيث عيون المشاهدين اللامعة بالشغف و الترقب و أمنية أن يستمر هذا العرض من التوسل و الهلع لأطول فترة ممكنة، في الأمر شهوة سادية لا تخفى علي أحد.

اشتهرت الحضارة الرومانية بتلك العروض الوحشية التي يستضيفها إستاد الكوليزيوم التاريخي حيث يجلس المشاهدون من العامة و الأباطرة و الحاشية يشاهدون حفنة من العبيد البائسين يصارعون الأسود و الوحوش الجائعة، تلمع عيون المشاهدين بذات نظرة الشغف السادية و تأتي أوامر الأباطرة دوما أن يطول العرض لأطول فترة ممكنة و أن يحمل العرض القادم مزيدا من الإثارة و مزيدا من المصاعب التي تجعل العرض أكثر إمتاعا . لا أجد فارقا يذكر بين تلك العروض التي أدانتها سنوات التحضر الحديث و اعتبرتها دربا من الوحشية و تلك الحلقات فالجمهور سواء كان يقف متشحا بمئزر و يهلل في ستاد قبل الميلاد أو كان يجلس علي أريكته بعد أن قرأ دعاء الإفطار فالمشاعر واحدة و هي التلذذ و السادية لرؤية شخص يتعذب و يتوسل، لذا فالتساؤل هنا عن المنطق الذي يجعل الفرد يضع برامج المقالب ضمن أولويات مشاهدته و يشاهدها بهذا القدر من المتعة و اللذة المرضية.

البعض يشتهي أن يكون جزءا من الخدعة لا أن ينخدع بها،  أن تشاهد المخدوع خلف الكواليس و تضحك على سذاجته التي كلما زادت كلما شهدت لك بالبراعة . فأنت في الواقع الحقيقي مخدوع علي الدوام ، تعلم جيدا أنك لا تنال ما تستحقه و أنك الضحية الأساسية للفواتير الباهظة و للوعود الإنتخابية و لعروض الخصومات التي تخبرك دوما أن شركة الإتصالات تخسر لأجل سعادتك و في النهاية تعلم جيدا أنك الخاسر، لم يأخذ أحد رأيك في سياسة الدعم و في قوانين المرور و في سلامة وسائل النقل رغم أنك البطل اليومي المستحق للدعم و الذي تعبر إشارات المرور و تركب وسائل النقل، مادمت الضحية الأساسية في كل أدوارك اليومية فما أضيق العيش لولا فسحة المقلب، لحظات النشوة التي تسخر فيها من أحد الفنانين الأثرياء المتأنقين الذين نالوا حظهم من الثراء و الشهرة و الذين يمثل قانون الدعم آخر إهتماماتهم و بالتأكيد لن تجدهم مكدسين جوارك في حافلة عامة فلا ضير أن ينحطوا لتلك الحالة الهيستيرية من أجل متعتك.

البعض الآخر يتعامل مع الحياة و مقالبها بمنطق “يحدث للآخرين / لا يحدث لي “فمهما كان المقلب شريرا أو ساديا،تلفزيونيا أو واقعيا، فالمنتمي لتلك الفئة يقف دوما في الجانب الآمن من الشاطيء مشاهدا وحسب، فهو ليس ذي شأن يذكر حتي يصير بطل يوما ما لأحد مقالب الشاشة أو مقالب الواقع، صديقي ذاك يستمع باستمرار لحالات من الاختفاء القسري لبعض الشباب و كذلك التهجير القسري لبعض الناس من قرية لأخرى لمجرد أن ديانتهم مختلفة و لحادثة فردية لا تمت لديانتهم بصلة، صديقي يؤمن أن القدر لن يمتلك حس دعابة و سخرية كافيا حتي يجعله بطل تلك القصص التي يقرؤها يوميا، فهذه ستكون أكبر خدعة و مقلب مارسته الحياة تجاهه، لن تبلغ درجة الدقة أن يكون هذا التعس الذي تواجد في الوقت الخطأ و المكان الخطأ رغم أن الحوادث التي يقرأها كانت لأناس عاديين قرأوا مثله حوادث أقدم و لم يكونوا يتوقعوا يوما أن يكونوا أبطالا لقصص مخيفة كتلك، لم يتوقع شاب نشر علي صفحته الحرية لفلان أن تكون الحرية متبوعة باسمه مطلبا قد ينشره البعض.

البعض يتعامل مع المقالب بالمنطق المحكم و النهايات المعقولة، فكل شيء له منطق عادل و مفهوم ، فهذا المقلب مدبر بالكامل و أبطاله ممثلين يمارسوا دور الهلوع المذعور لمتعتنا، و بالتالي نحن نستمتع، ذات الفكرة الأساسية في السينما ” انخدع لي ، أنخدع لك “، فلا مجال لاتهام الجمهور بالسادية لمشاهدة هذا العرض فالأمر برمته خدعة سينمائية يحكمها منطق الربح، و كذلك كل مفاجآت الحياة ستجد منطق يحكمها، فلا يمكن أن يتعرض أحدهم للإخفاء أو الاعتقال و هو طاهر الذيل، إن لم يكن متهما بما وجه له من تهم فهو فعل ما يكفي ليجعله مستحقا للعقوبة، مهما بدا السيناريو غريبا و هزليا حتي لو كان طالبا تم جره قسرا من لجنة إمتحانه و عده في اليوم التالي مقتولا في شجار مع الشرطة، بالتاكيد هناك منطق ما يفسر الوقائع حتى لو كان مخفيا،صديقي ذاك المؤمن بشدة بالكارما أن الشخص الجيد ينال الأروع و الشخص السييء ينال الأسوأ يغفل أو يتغافل عن أن الحياة قاسية و أن حياته نفسها هي مقلب ممتع أكثر من برنامج النجم فهو شاب ثلاثيني يحتاج عقدين إضافيين من الزمن ليملك شقة و زوجة و تأمين الكفاف لمولود قادم , فلكي تبدأ بتحقيق أحلامك العشرينية عليك أن تكون خمسينيا، أي مقلب أقسى من هذا سيجعله يؤمن أن مقالب الحياة لا يحكمها منطق و أنها أقسي من مقالب الجو و البحر التي تكفل النهايات السعيدة للنجم المشهور أنه نجا بحياته و بأجر الحلقة.

أعلم جيدا أن النجم يخطط من الآن لخدعة أكثر قوة تفوق توقعات الجمهور المتعطش لإثارة أكبرفي رمضان القادم، سواء الفئة التي تتلذذ بأن تكون في الكواليس و أن تلعب دور المخادع لا المخدوع ، أو الفرد الذي يمتلك اليقين السعيد أنه يحدث للآخرين و أن الحياة أكثر رأفة من أن تجره لمقالبها، أو الفئة التي تؤمن بالكارما والمنطق الخفي الحاكم وراء الأمور و أن كلا ينال ما يستحقه حتي لو كانت الحكمة خفية.

لكن النجم يفاجئنا ببرنامجه في شهر واحد خلال العام يكون المواطن مشاهد مخادع وليس مخدوعا، بينما يعود المواطن لمكانه الأساسي كضحية برنامج أبدي من التضليل السياسي و الاقتصادي و الإعلامي،  يخبره باستمرار أن كل ما يراه من القبح هو مؤقت و أنه يحدث للآخرين و لن يحدث له مادام مواطنا شريفا ملتزما بالقوانين و مشاهدا دؤوبا لبرامج القنوات الرسمية و مؤيد حار للحرب على الإرهاب، وأن الأخبار السيئة هي بديهيات مرحلة حرجة سيتخطاها الوطن بسلام حتي لو دامت لعقود ، فقط تستمر الإثارة لضحايا الواقع أكثر من  ضحايا النجم لأننا لا نعلم متي تنتهي الخدعة ؟! أو هل سنكون نحن أو قريب منا من ضحايا المرحلة يوما؟! و لا نعلم هل سننال ثمن كوننا ضحية كل هذا الوقت كما ينال ضحية البرنامج أجر انخداعه؟!

(Visited 132 times, 1 visits today)
عن الكاتب
حسام الدين السيد
شاب عشريناتي يتأمل بفعل الكتابة مجتمع متغير
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق