الآن تقرأ
العهد (الكلام المباح)…عبقرية الأسطورة محلية الصنع وعقلية المشاهد الروبوت

المشاهد الروبوت هو الذي أزخم عقله بعدة قوالب محفوظة من كل أنواع الإبداع الأدبي والفني في العالمين العربي والغربي – عادة ما تكون قوالب أجنبية عالمية مصنوعة بإبهار وإمكانات هوليوودية – ومن ثم فإنه دوما ما يسارع بإيجاد مرجعية لأي عمل جديد لعمل أقوى تأثيرا وأكثر شهرة.. أو بمعنى أصح.. المشاهد المترقب المتحفز لإيجاد مرجعية الاقتباس عن أفكار مطابقة.. ظهر هذا العام مسلسل العهد (الكلام المباح) لفريق العمل المنتج طارق الجنايني والمؤلف محمد أمين راضي والمخرج خالد مرعي وهو الفريق ذاته الذي أخرج لنا مسلسلي “نيران صديقة” و”السبع وصايا” في العامين الماضيين.. ولاقى كلا العملين استحسانا وإشادة من المشاهدين والنقاد. اللهم بعض المختلفين مع الأفكار الغريبة.

هذا العام مسلسل العهد يحكي سيرة شبه شعبية أسطورية في لا مكان ولا زمن.. “سيرة الديابة”.. هي سيرة ثلاثة كفور متجاورة تتناحر على سلطانها مجموعة من أصل وفرع عائلة واحدة ويتحكم في سلطانها مكتوب يسمى بالعهد.. السيرة الخيالية مملوءة بشخوص وأحداث أسطورية لا تجدها في السيّر الشعبة المصرية المعتادة مثل شخصية “مهيب” الطفل الذي ربته الأفاعي وصار سيدا لها وصار ساما مميتا مثلها.. وشخصية “سحر” الفتاة المبروكة ذات اللمسة الشافية التي تستطيع معالجة أي شيء بمجرد لمس المصاب.. وشخصية “استمنوها” حارسة مكتوب العهد وراعيته التي تموت وتظهر روحها في السيرة مرة أخرى.. وغيرها من الشخصيات التي تحتاج إلى عمل مستقل  لتوصيفها .

منذ أن عرضت ثاني أو ثالث حلقات المسلسل.. سارع العديد من المشاهدين والنقاد  لتشبيه السيرة تارة برواية لعبة العروش Game of thrones  لجورج آر مارتن، والتي تحولت لمسلسل أمريكي ناجح منذ عدة أعوام نظرا لتقارب حكاية الممالك المتعددة وصراع السلطة والتي هي مجرد رواية طويلة مليئة بالجنس والدم والصراع العبثي.. وتارة يشبهونها بخيال مشوه عن أساطير طفولية الطابع مثل هاري بوتر ولا أدري أين التشابه حقيقة؟!.. وتارة يهاجمها كتاب روائيون آخرون فشلوا في التواجد “التجاري” على الشاشات واكتفوا بالرواية الورقية التي عادة ما لا تناسب الإيقاع التلفزيوني أو السينمائي.

ربما من المبكر أن نتحدث عن نقد العمل كاملا.. وبما أنني عادة ما أتحدث من وجهة نظر غير أكاديمية، ولكن ليس معنى هذا تمجيد العمل باستباق الأحداث ولا أستحسن العمل بعين مشاهد عادي، يعجبني إنتاج الفريق المذكور وتحديدا المؤلف محمد أمين راضي الموهوب يقينا – أمين راضي فاز بجائزة ساويرس الثقافية كأفضل سيناريو لكاتب شاب عام 2011-2012 وقبل أن مسلسلاته الثلاثة الناجحة- والمخرج خالد مرعي الموهوب تأكيدا منذ أن كان “مونتير” في أعمال قيمة مثل جنة الشياطين، وأيام السادات.. ومخرجا لآسف على الإزعاج وعسل إسود وغيرها من الأفلام التي نجحت بقوة.. ولكن الهدف هو التدقيق في نتاج عمل درامي يحقق معادلة غير متواجدة على ساحتنا الفنية العربية وهي صناعة الأسطورة المحلية بتشعبها وأسماء أبطالها التي اختارها المؤلف بعناية تليق بسيرة أسطورية.. معظم الأساطير العربية ذات مثل سير الأبطال الشعبيين والليالي العربية – ألف ليلة وليلة – أبهرت العالم وأثرت الحراك الثقافي.. ومع تجمد أفكارنا وتقديسها لكل ما هو آتٍ من الماضي السحيق بمتلازمة النوستالجيا المصاب بها كل عربي بنسب متفاوتة.. اعتادت أن نتاج الأساطير جاء من عقول مقدسة غاية في الإبداع لا يمكن تقليده أوصنع موازٍ له.. ومع ذلك نجح – مبدئيا – المؤلف في صنع أسطورة تجاور السير الشعبية القديمة بقوة، وساعده في هذا مخرج متمكن من أدواته ومنتج مؤمن إيمان كامل بقدرات وأفكار فريقه.

على صعيد التمثيل يأتي فريق عمل مناسب لأدواره باستثناء بضع أدوار كنت أتخيل آخرين فيها أكثر من ممثليها مثل شخصية سوسن ابنة الشيخ “ضوي” وكبيرة “الحشاشين” – غير حشاشين حسن الصباح وإن كان هناك تشابه – الفنانة كندة علوش موهوبة ولها أسلوب مميز، ولكن كنت أرى ممثلة أكثر حزما في شرها على عكس كندة التي سرعان ما تتعاطف مع لهجتها ونظرتها الطيبتين حتى في أداء مشاهد الشر.. وشخصية “أُبي” الفتى العاجز المتصل سرا بعالم الأرواح والشياطين، والتي ربما تحتاج إلى ممثل أكثر تعبيرا بصوته وملامحه وإن عوض ذلك ماكيير محترف أظهره كما كُتب له الدور.. وعلى العكس أتت الممثلة الموهوبة صبا مبارك في دور “ريا” في تناغم قوي مناسب لإمكاناتها.. والممثلة أروى جودة في دور “سندس” الفتاة الشقية التي تربت وسط العوالم والراقصات أيضا جاء مفاجاة لمتابعيها حيث أظهر الدور إمكانات لم تتطرق لها أروى من قبل، ناهيك عن إبداع كل من “هنا شيحة” والفنان “صبري فواز” في أدوار “سجاج” و”الشيخ الضوي”، والفنانة شيرين رضا في عودة قوية بدور “جومر”، والفنانة سلوى خطاب التي أقنعت عديدا من المشاهدين بقوة أدائها في السنوات الأخيرة أكثر مما صنعت في مسيرتها الطويلة كلها.

الجو العام بالتيه في حكايات وعلاقات متشعبة مترابطة في أصل واحد مغموس في إناء الخيال عمل ليس سهلا، ولكن العهد استطاع حتى الآن أن يبرز ذلك. المؤلف في آخر أعماله استطاع رفع سقف التشويق والغموض لمدى عالٍ، تنامى معه جمهور من المشاهدين وغيرهم من المشاهدين المغرمين بإيجاد ترميز سياسي أو ديني لحكاياته.. غالبا ما ينجح  أمين راضي في دحر أفكارهم الجامحة ليقنعهم أنه فقط يستطيع أن يسرد “حدوتة” مشوقة وكفى.

 

(Visited 950 times, 1 visits today)
عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005