الآن تقرأ
ما شهدناه من سيرة الديكتاتور الميديوكر

ليس مرعباً كصدام، لم يخض حرباً عالمية كهتلر، لا توجد لديه سوابق فى أكل لحوم البشر، لا يملك قصة صعود درامية، وفي الأغلب لن يملك أي نهاية مهيبة.
حتى محاولة صنع مقدمة تليق برئيس حكم مصر لما يقرب من 30 عاما تبدو عبثية … لا شيء يميز الرجل على الاطلاق.

كان من حسن طالعي أو سوءه أني قد شهدت سنوات نظام مبارك الأخيرة عن قرب –إلى حد ما- من دوائر العمل الحكومي العليا، وأشهد بنفسي ترتيبات “زيارة السيد الرئيس” أو حرمه في أكثر من مناسبة لأسباب مهنية بحتة ليس فيها ما قد يهم قاريء هذا المقال.
سمح لي القدر أن أكون على بعد أمتار قليلة منه ذات مرة، وأن أرى كيف كانت جوقته الحكومية تتفانى في إرضائه هو وأسرته مرات عديدة، ترك كل ذلك في ذهني مشاهد وملاحظات لم أنسها.

بعض هذه المشاهدات قد يستدل عليها ولها شهودها، بعضها قد لا يكون كذلك، إلا أنها لا تحوي سبقاً صحفياً قد يستحق بذل الجهد في اثباته، ولا تتعارض مع ما شهده كل منا عن قرب أو من بعد من سيرة ديكتاتورنا البائس، حسناً فليكن صدرك رحباً إذن أو تتجاهل هذا المقال تماماً باعتباره لا يعدو أكثر من خبرة شخصية.


افتحوا السد

كانت زيارة الرئيس للأقصر في عام 2007 من أكثر ما شهدته من سيرته عن قرب، كان مقرراً للرئيس أن يفتتح مكتبة مبارك العامة ومركز الأقصر للتراث وعدة مشروعات بالمدينة التي كانت لا تزال وقتها تأمل في أن تتحول لمحافظة بقرار من الرئاسة، كعادة زيارات الرئيس تتأجل كثيراً . شهدت بشكل شخصي مؤسسات أفنت سنوات من عمرها بانتظار زيارة موعودة من السيد الرئيس، وليس في لفظ سنوات أي صيغ مبالغة، فزيارة الرئيس تتحكم فيها أبعاد كثيرة، حالته الصحية، مناسبة طبيعة المؤسسة للأحداث الراهنة .. إلخ.

من أكثر المشاهد التي شهدتها عبثية ما بلغني حول أحد ترتيبات الزيارة، إذ كان مقرراً للرئيس أن يفتتح أحد المشروعات السياحية في البر الغربي، عابراً النيل بأحد المراكب السياحية الفخمة، ومن المعتاد أن تقام بروفات متكررة لسيناريو الزيارة، كانت الزيارة تم تأجليها عدة مرات وكانت البروفة قبل الأخيرة في وقت ارتفاع منسوب النيل، وفي البروفة الأخيرة قبيل استقبال الرئيس بساعات، اكتشف المنظمون وجود فارق للمنسوب ما بين سطح مركب الرئيس العجوز وسطح المرسى، وهو ما يحتاج لصناعة شيء ما من عدة درجات أو منحنى بشكل يليق بالرئيس ومصاحبيه.
كنت جالساً مع أحد مسئولي الأمور البروتوكولية في مجلس مدينة الأقصر، حين رن هاتفه ثم انخرط في حوار متقطع غاضب “مش هنلحق .. مش هينفع، إيه بقى الرخامة دي، مش معقول كده”.
أغلق السماعة ثم شرح لنا في حنق “دلوقتى إحنا عملنا البروفة والنيل كان عالي وكانت تمام، دلوقتي في فرق منسوب، نعمل إيه مفيش وقت نجهزله حاجه، كلمنا وزارة الري علشان يفتحوا السد نعلي المنسوب شوية وبيقولوا مش هينفع !! مفيش تعاون !! نعمل إيه دلوقتي!”

نعم، تفتق ذهن عبقري ما بالطلب المذكور، افتحوا السد العالي “لأجل الديكتاتور ما يخطي مستريحا” !! حمدت الله على أن وزير الري أو المسئول عن ذلك لم يصل إلى هذا المستوى من الموالسة.
الهانم ما بتلفش !

دائماً ما تكون زيارة السيد الرئيس مجالاً مفتوحاً لتفاني واجتهاد جوقته في ارضائه، رغم أنه في الحقيقة لم يبلغنا الكثير عن بطش مبارك بمسئولين كبار، لا أحد يعلم تحديداً ماذا يمكن أن يخسر المسئول -إذا لم يحقق لمبارك ما يريده- سوى منصبه، بل لا نملك تأكيدات حتى على أن مبارك كان يريد ذلك، ربما لم يكن أكثر من تطوعاً متفانياً في الموالسة للديكتاتور رغبة من صاحبه في الحفاظ على منصب يدر عليه الكثير.

وفي أحيان كثيرة يهييء لنا أن تمجيد الديكتاتور وأسرته يصبح عرفاً مسلما به ببساطة لا تحتمل أي تنظير ولا مكاسب، لا يمكنني أن أنسى الموقف البسيط الذي شهدته في احتفالية مائة عام على انشاء هليوبوليس (مصر الجديدة)، المكان كان أحد دور القوات المسلحة، شاشة نصف دائرية من عدة أجزاء مقامة على مسرح الحدث الذي تقوم بافتتاحه السيدة الأولى، الاسم المتعارف عليه للسيدة الأولى في الدوائر المتعاملة مع الرئاسة هو “الهانم”، قبيل أي حدث من هذا النوع يوفد شخص من إدارة المراسم برئاسة الجمهورية ليتأكد أن كل شيء على ما يرام، يقف مندوب المراسم ثم يعرب عن رغبته أو بالأحرى أوامره بتغيير مكان المنصة الصغيرة التي ستقف خلفها “الهانم”، بأدب جم  ينبهه أحد المهندسين أن هذا المكان الذي يقترحه، هو أمام أحد أجزاء الشاشة التي ستستخدم في العرض الذي بالطبع لا يمكن ازالته لأنه يحوي جزءاً من الصورة.
يرد مندوب المراسم : “البوديوم (المنصة) لازم تبقى على بعد 3 خطوات من سلم خشبة المسرح”، فيرد احد مهندسي التركيبات بعفوية : “مفيش مشكلة، 1، 2، 3 ” ثم يسير ثلاث خطوات بالفعل فى اتجاه مختلف ليبتعد عن الشاشة الضخمة فيرد مندوب المراسم ببساطة وحزم : “الهانم ما بتلفش !”.
يزال الجزء الباقي من الشاشة ويعاد تصميم عرض الافتتاح في أقل من 24 ساعة، لا مفر، الهانم مبتلفش !!.
بالمناسبة هل تعلم أن الحكومة كانت تنشيء متحفاً للهانم كان مقره في الدور الأرضي للمجلس القومي للمرأة ، ولسخرية القدر أو سماحته ، احترق تماماً مع الحزب الوطني (المبني الملاصق) مساء 28 يناير.
افرغ مثانتك قبل الزيارة

لزيارات الرئيس وحرمه طقوسا محددة، تقوم الرئاسة باستلام المبنى كاملاً قبلها، يخضعون المبنى لتفتيش دقيق حقاً، يتم التأكيد علانية على كل موظفي المبنى بترك جميع الأدراج والدواليب مفتوحة وإلا سيتم كسرها بلا هوادة، ثم يوصيك في خفية بعض المتمرسون ممن حضروا زيارات سابقة بأن لا تترك شيئا ذا قيمة أو نصف قيمة أو أي شيء قد يعز عليك فقده من نوع قلم لطيف أو ما شابه، لأن بعض القائمين على التفتيش أيديهم طويلة، ولا سبيل لاسترجاع أي شيء بالطبع.

قبلها بأسابيع يتم استخراج تصاريح لكل الأشخاص الذين يتواجدون في محيط الرئيس بما في ذلك الموظفين، يكون هناك نوعان من التصريحات، يكتب على التصريح الأشبه بكارنيه بلاستيكي “ثابت” أو “متحرك”، وهو ما يعني أن الشخص مصرح له بالتحرك داخل فراغات المبنى، وفي الأغلب يعطي للمصاحبين للرئيس وجوقته والموظفين الذي يتطلب عملهم التحرك مع الزيارة، أو “ثابت” وهو ما يعني أن الشخص لن يتحرك من الفراغ المقيم فيه تحت أي ظرف، وأعنى هنا تحت أي ظرف بالفعل، فهناك حراسة من الرئاسة على كل فراغ في المبنى حتى لو لم يمر به الرئيس، ولا يسمح حتى بالذهاب إلى دورة المياه مهما طال بقاء الرئيس بالمبنى، سمعت عدداً من القصص اللطيفة عن موظفين “محصورين” توسلوا كثيرا بلا جدوى.

 

موالسات رديئة (علشان ما نعلا ونعلا ونعلا ..)

نعود لزيارة الأقصر المجيدة ، هذه المرة أتمكن من عد سيارات موكبه بتأن، 55 سيارة بالتمام والكمال هي صحبة الديكتاتور !!

كان من أعراف استقبال الرئيس فقرة الأوبريت أو الاستعراض، ويفضل أن يكون أبطاله من البراعم، فهو بجانب كونه بطلأ لحرب أكتوبر وديبلوماسياً حكيماً لا يتورط في أي نزاعات، لا ننس أنه “بابا مبارك”، جمعوا له بعض الأطفال في المدخل ينشدون على أنغام  “الأقصر بلدنا” الشهيرة، ثم هتكوا عرض الكلمات البسيطة (أتوقع أن يكون مرتكب هذه الجريمة أحد رجالات التربية والتعليم الأفذاذ، ربما يكون موجه أول اللغة العربية) فحولوها إلى:
على أرضها اتمختر با رئيس …. ولا متحف اللوفر في باريس

القاعة تعج بـ”كبارات” المجالس المحلية والموظفين، يدخل مبارك القاعة ويفصلني عنه أمتارا قليلة، أول مرة أراه من هذه المسافة القصيرة، الرجل كهل بحق، حركته ثقيلة، ووجهه يبدو عليه علامات السن بشكل يخالف ما أعتدنا على رؤيته في وسائل الإعلام (قبل أن يطالعنا من خلف قفصه الحديدي بعد الثورة)، يعرف من سبق لهم المرور بخبرات تغطية الأحداث الرئاسية أن كل صورة ومقطع فيديو يخرج من الرئاسة أو بإشرافها وموافقتها، لا يجوز أن تظهر لقطات للرئيس تكشف شيخوخته  مثلنا نحن الفانين.

شركة المرعبين

تضج القاعة بالهتاف والتصفيق وكل مظاهر البهجة المفتعلة من الطامحين، وهو لا يكاد يلتفت للهتيفة، فقط يشير ملوحاً بكفه بحركة التحية المعتادة، يصل إلى مقعده وتبدأ وصلات من شعر المديح الركيك من هنا وهناك، يتركهم السيد رئيس مجلس المدينة برهة ثم يبدأ عرضه التقديمي عن انجازاته في المدينة، احقاقاً للحق، الرجل كان نشيطاً وأنجز بعض المشاريع الجيدة حقاً، والجميع في انتظار الاعلان التاريخي المتوقع عن نية الرئيس تحويل الأقصر لمحافظة، وفي أحد فجوات حديث السيد فرج ينطلق أحدهم صارخاً بهيستيريا “المحافظة يا ريس .. أعلنها محافظة يا ريس” وللمفاجأة الأشبه بـ”كبسة” ثقيلة الوطأ، يشير الرئيس من مقعده الأمامس ناحية الخلف ملوحاً بـ”لا” واضحة، لتتبخر آمال الحاضرين فى لحظة.
الجدير بالملاحظة أن بعد هذه الزيارة بشهور، أعلنت الأقصر كمحافظة بشكل رسمي، رغم هذا الرفض الصريح الذي شهدته بأم عيني !
هل هذا الكهل الذي رأيته هو من يدير هذه البلاد حقاً ؟ مواقف كثيرة اتخذت فيها قرارات تم التراجع عنها أو اتخذت قرارات أخرى عكسية لاحقاً، فهل تتغير قناعاته لأسباب ما أم ان هناك من يدير المشهد سواه ؟ أسئلة بلا اجابات قاطعة، لكن لا يمكن أن نفصل إجاباتها عن ما تلا تلك السنوات من أحداث، سقط مبارك رأس النظام ولا يمكننا أن نقول أن ذلك تم بصعوبة بالغة، لم يستطع أن يؤمن لنفسه مهرباً كبن على، ولم يلق نحبه بشكل درامي كالقذافي، فعل ما لا يقدر عليه أي ديكتاتور مهيب، عابثاً بإصبعه في أنفه في قفص حديدي، لا يوجد محكوم عليه في قضايا قتل المتظاهرين سوى مبارك ووزير داخليته (ربما بالطبع يحصل عليها فيما بعد)، حتى أمين الشرطة “السني” تمت تبرئته ! نهاية تليق حقاً بديكتاتور “نصف لبة”.

تبدو لي العلاقة ما بين مبارك ونظامه كعلاقة “كرتي البعبع” و “شلبي” في فيلم التحريك الشهير “شركة المرعبين” (انصح بمشاهدته بشدة بغض النظر عن هذا المثال)، “كرتي البعبع” يملك معرفة هائلة بكل تقنيات التخويف ولكن لا يمكنه إخافة أي طفل بسبب شكله المضحك، يحتاج إلى موهبة “شلبي” وأسنانه المرعبة لتخويف الأطفال، ويشكل الثنائي أنجح فريق فى تاريخ شركة المرعبين

الميديوكر يكشف عن نفسه (يا راجل كبر مخك)

يغوص السيد سمير فرج في عرض تقديمي مطول بشدة، ما يقرب من 400 شريحة بدون مبالغة، غط بعض الجالسين فى نوم عميق حتى كاد يسمع شخيرهم لولا تنبيهات المستيقظين، وفي كل فجوه في كلامه ينتفض أحد الجالسين كمن مست النار مؤخرته، فيقيء شعراً موالساً مريعاً فى حماسة، الا ان أغربهم على الاطلاق كانت تلك السيدة التى ظلت تصرخ فى هيستيريا “المرأة يا ريس .. المرأة يا ريس” ” ولا أحد يفهم ماذا تريد أن يفعل الرئيس للمرأة. خلال العرض يشرح السيد فرج كيف قام بازالة المخالفات في محيط معبد الكرنك، وأنه أثناء ذلك تم اكتشاف ميناء نهري قديم، كان يعد من أكبر الموانيء النهرية الفرعونية، يستكمل حديثه لدقائق فيباغته الرئيس “بنصاحة” : وعملتوا إيه في المينا ؟

يرتيك السيد فرج ولا يفهم مغزى السؤال، يجيب متلعثماً قليلاً : “كانت أكبر مينا نهري يا ريس..”

يرد الرئيس “يعنى عملتوا فيها إيه؟”

يخيم الصمت على الحاضرين، فلا أحد يفهم مغزى السؤال فيتردد الجميع في الإجابة، فربما لا تكون الإجابة النموذجية
يتشجع أحدهم ويجيب من الصف خلف الرئيس (لم يمكنني تبين من هو إذ كنت في الصفوف الخلفية) : دى مينا أثرية يا ريس …
فيقول الرئيس : ااااه أثرييييية.
ببساطة ظن الرئيس أن الميناء النهري الذي عثر عليه هو ميناء حديث يمكن إعادة تشغيله أو ما شابه.

لا أعلم كيف تصور الرئيس أن الميناء المكتشف هو ميناء حديث، قابل لإعادة التشغيل، في الأغلب هو مزيج من محاولة تصنع النصاحة مع عدم تركيز، ربما لدواعي السن، أو ربما لأنه فقط يمارس منهجه المفضل في عدم الاكتراث، فهو صاحب الجملة الشهيرة “يا راجل كبر مخك هو انا هأقرا كل حاجة”.

لا غرابة، فديكتاتورنا البائس أكثر ضحاياه لم يكونوا ضحية بطش مباشر منه، لم يقم محارق، ولم يضرب الآلاف بالأسلحة الكيماوية، ولم يشن حرباً على دولة مجاورة، أكثر ضحايا الديكتاتور ماتوا ببطء في طوابير علاج الكلى والكبد، أو محاصرين بالنيران في قطار مهمل، أو غرقاً في عبارة متهالكة.
أكثر ضحاياه لم يكونوا ضحايا غضبه، بل ضحايا مزيج غريب بائس من الطمع والفساد والاهمال وسيطرة ذوي القدرات المحدودة أو المنعدمة من رجاله.

إلا أن كثر سقطات ديكتاتورنا في هذا اليوم، كانت عندما عرض عليه صوراً لعدة انشاءات حديثة تم بنائها ومنها مبنى لمعهد للإرشاد السياحي، ثم أضاف السيد فرج أن المعهد سيقوم بتدريس الإرشاد السياحي بتسع لغات هي الإنجليزية والفرنسية .. الخ.
فقاطعه الرئيس : والناس هتيجي بقى من العالم كله علشان تدرس اللغات دى هنا ؟!!!

لا زالت صورتك بأصبع عابث فى أنفك فى قفص حديدى تعزينا كثيراً، لكن يقلقنى كثيراً أن يكون ديكتاتورنا الجديد .. نص لبه .. مثلك تماماً
ويقلقنى أكثر أن يصبح أقصى أمالنا أن نحظى بديكتاتور “بيعرف” ..
—————————————————

Full Definition of MEDIOCRE

:  of moderate or low quality, value, ability, or performance :  ordinary, so-so
http://www.merriam-webster.com/dictionary/mediocre
اى “نصف لبة” أو “على قده” بالعامية

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
كريم عمر
كريم عمر
التعليقات

أضف ردك