الآن تقرأ
مصطفى السيد سمير يحكي(1) : أسما

لما قلبك يتوجع لدرجة إنه يبان على وشك، روح ﻷسما. أسما كانت بنت بتمسح وشوش الناس من الوجع بمية الورد، دي شغلتها من زمان، من وهي صغيرة ووشها لسه ما اتلونش وكانوا بيقولوا لها يا طماطم، عشان كانت بتحب تقعد جنب مامتها وهي بتغسل الطماطم كل يوم. مامتها قالت لها إن الطماطم مش سعيدة زي الفاكهة، وﻻ قوية زي الخضار، لكنها بتعرف تحب اﻷكل كله وتديله طعم، الطماطم ونس يا أسما، ونس مش محتاج مننا غير إننا نغسل له وشه كل يوم.

كبرت أسما وبقت بتمسح وشوش الناس، كانت اتعلمت مع الوقت لون كل وجع، الرمادي بييجي من الزهق المكتوم والتراب على الكراسي، واﻷحمر شجاعة الخواف لما يوصل لمنتهى الخوف، ودة بيحصل لما ما يبقاش عندنا حد يصحينا من النوم لما نكون مش عايزين نصحى، والإسود خيبة أمل مفاجئة بتغطي ملامحك زي نيجاتيف حرق نفسه لما لقي إن كل الصور اللي فيه مش بتضحك، واﻷصفر نور محبوس جوا الجسم من قلة الفضفضة، واﻷخضر كلام كتير لسه ما استواش نتيجة إن واحد بيجمع حروف كتير ومش بيعرف يركبها.

أسما كانت كمان بتسمي الوجع أسامي تضحك، عشان الناس تضحك عليه وما يخافوش منه. زي مثلا “البن المغشوش”، و”حرف القزاز المكسور”، و”القلم الجاف الفاضي اللي بيخربش الورق”. وكان كل حلمها إنها تفضل تمسح ألوانه من وشوش الناس لغاية ما علبة اﻷلوان بتاعته تخلص. عشان كدة ما كانتش بتاخد فلوس مقابل دة، بس أهل المدينة كانوا بييجوا لها كل سنة في يوم عيد ميلادها، ويجيبوا لها سمكة دهبي. أسما بتحب السمك الدهبي، وبتحطهم في الجنينة جنب بعض. ودايما بتقول إنها في يوم حيبقى عندها مية ورد كفاية ﻷنها تعمل لهم بحر، وساعتها حيتحركوا وياخدوها معاهم.

وفي يوم لاحظت أسما حاجة غريبة، صحيت الصبح لقيت ناس كتير واقفين على باب بيتها، ساكتين خالص وإيديهم جنبهم ووشوشهم متلونة بألوان غامقة. استغربت قوي، لكنها دخلتهم واحد واحد وقعدت تمسح اﻷلوان طول النهار لحد ما تعبت. تاني يوم بصت أسما من الباب، لقيت الناس بقوا أكتر، وكان فيهم ناس من اللي جم إمبارح، خافت جدا لكنها برضه قعدت تشتغل طول النهار وطول الليل. اليوم اللي بعده كان الناس ماليين الشارع، وجت معاهم قطط وترابيزات وشنط سفر وكباين تليفون وبيوت. عارف يعني إيه بيت يبقى لون وشه إسود.

قعدت أسما على عتبة الباب وهي مش عارفة تعمل إيه، سألت ولد صغير كان واقف في اﻷول: هو إيه اللي حصل؟ قال لها: الحرب. قالت له: يعني إيه حرب؟ قال لها: وحش كبير معاه جرادل ألوان كبيرة قوي بيدلقها على الناس. سندت راسها على إيدها اليمين وقالت: طب والعمل، أنا ماعنديش مية ورد تكفي كل دة. قربت منها قطة وطلعت على رجلها وقالت: انتى محتاجة مية ورد من اللي بتشفي وجع الحرب، ودي مش حتلاقيها غير في اﻷماكن اللي فيها زعل شديد. سألتها: عرفتي منين؟ قالت لها: ماما هي اللي كانت بتمسح وشوش القطط، بس لما قامت الحرب بعتتنا كلنا عندك.

أخدت أسما شنطتها وخرجت تدور على مية الورد اللي بتشفي وجع الحرب. سافرت من مكان لمكان لحد ما وصلت مدينة غريبة لقيت بيبانها كلها مفتوحة. دخلت أسما، شافت كل الناس وشوشهم متلونة بألوان غامقة، وكان فيه وﻻد صغيرين بينطوا الحبل عشان يولدوا الكهربا، ومراتب مفرودة على سطوح البيوت عشان الشمس ما تتعورش وهي نازلة، وحيوانات حاطة في ودانها سماعات مشغلة مزيكا عشان تشوف الطريق، وكبايات بترمي نفسها من فوق الترابيزات، ومع إنها فاضية لكنها أول ما تلمس اﻷرض بتتكسر ويتكب منها ميا كتير. حاولت أسما تتكلم مع أي حد، لكن كلهم ما كانوش بيتكلموا، لحد ما حد شرح لها بالإشارة إن “مفيش حد هنا بيتكلم غير الناس الكبيرة”، سألته “طب الناس الكبيرة دول فين”، راح مشاور لها على المكان، وبعدين سابها ومشي وهو بينهج كإنه تعب قوي من الكلام معاها.

قعدت أسما تمشي لغاية ما وصلت لدوﻻب كبير في آخر المدينة، كانت الناس الكبيرة كلهم متعلقين على شماعات، وفي بقهم أكياس نفتالين عشان النسيان ما ياكلهمش. قربت من واحدة ست وشالت الكيس من بقها فالست خافت، قالت لها: ما تخافيش أنا حافضل معاكي وماحدش حيقدر ييجي جنبك. أنا عايزة أعرف فين مية الورد اللي بتشفي وجع الحرب. استغربت قوي وسألتها: بس انتي لسة صغيرة قوي، أمال مامتك فين. قالت لها: ماما سابتني عشان تمسح وشوش الملايكة. الست حضنتها وبعدين قالت لها: يبقى ﻻزم تستني للشتا، مية الورد مش بتنزل عندنا غير في الشتا.

سألتها: هو ليه الناس هنا مش بيتكلموا؟ قالت لها: من سنين كتير وهما كدة، الموضوع بدأ إن ماحدش بقى بيعمل حاجة بشغف، لحد ما النور اتقطع من بيوتهم وعيونهم زغللت، وبعدين بقى ممكن حد يبقى ماشي في الشارع يقع منه دراعه أو ودنه أو شنطة كتب أو ذكرى حلوة، وفي اﻵخر خالص مابقوش يتكلموا مع بعض. سألتها: وهما بيفضلوا كدة على طول؟ قالت لها: لحد ما ييجي الشتا وتنزل مية الورد. قالت لها: بس إحنا عندنا حصل حرب، إنتوا عندكم حصل إيه؟ قالت لها: في مرة ولد حب بنت وخاف يقول لها.

أسما قررت تفضل في المدينة دي وتستنى الشتا، ولقيت لها وظيفة كويسة، بقت بتعمل عرايس من الكروشيه عشان تتحط مع اﻷكل فيفضل طازة، ﻷنها اكتشفت إن محدش هنا عنده تلاجة، ولما جت تسأل واحد فيهم عن التلاجة وشه اصفر من الخضة وجري بعيد، ففهمت. أسما كمان بتروح بالليل عند الدوﻻب الكبير في آخر المدينة، عشان تهش النسيان عن الناس الكبيرة من غير ما يضطروا يحطوا في بقهم نفتالين، ﻷن ما كانش عندها غيرهم عشان تتكلم معاه. كانت بتحكيلهم عن السمك الدهبي اللي في الجنينة، وكانوا بيحكوا لها عن أول مرة مطرت مية ورد، لما فجأة كل واحد بقى عنده فكرة، لدرجة إنهم اتكلموا كلهم في وقت واحد. ساعتها الكلام عمل سحابة غبار كبيرة غطتهم كلهم، وطلعوا منها وشوشهم صافية وبيضحكوا. أسما كانت بتتمنى إن الناس في مدينتها يفضلوا محافظين على طاقتهم لحد الشتا، من غير ما حد يمشي في الشارع يقع منه دراع أو ودن أو شنطة كتب أو ذكرى حلوة.

 تقدم بالتعاون مع صفحة مصطفى السيد سمير يحكي

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق