الآن تقرأ
الكوميديا السوداء للاقتصاد المصري

لعلك تساءلت يوما في “لحظة تجلى” تنظيري، عن أسباب فشل الاقتصاد المصري وما أكثر تلك اللحظات؟ ولعلها كانت في جلسة مع أصدقائك على “قهوة” واتخذت وضعية الهجوم أو الدفاع عن نمط اقتصادي معين.
وهذا ما يعيد النقاش للصفر فكأننا ندور في حلقة مفرغة فلو مدح أحدهم النظام الاقتصادي الاشتراكي سيرد الآخر أن عبد الناصر فاشل، ولو قال إن عبد الناصر لا يمثل الاشتراكية بل رأسمالية الدولة قال الآخر وما سبب فشل الاتحاد السوفييتي.
وكالعادة في مثل تلك المواقف تنتقل دفة النقاش من تبادل الآراء في الاقتصاد لتبادل الأراء في الأم ومن بعدها الأب فلو أنك تريد أن تحفظ كرامة أمك وأبيك فدع عنك ذكر الاقتصاد ومن الممكن أن تتحدث في “الطبيخ” وبهذا لن تبعد كثيرا عن الموضوع لأن الاقتصاد المصري والطبيخ ما هما إلا شيء واحد.
لماذا إذن تفشل كل خطط التنمية في مصر؟
لو تحدث كل من كتب في الاقتصاد بداية من آدم سميث وحتى عصرنا هذا لما استطاعوا أن يحصروا تلك الأسباب، وما استطاعوا إليها سبيلا، لكن يكفينى شرف المحاولة كما في خطط التنمية من قبل.
1- هناك مثل شعبى يصف الشخص الذى يركز على توافه الأمور بأنه ” بيتصدر في الهايفة ” هذا الشخص هو الاقتصاد المصري، هل عرفتم اقتصاد في العالم كله منذ عصر الحداثة يتحدث المخططون فيه والوزراء في الحكومة بل والشعب ذاته عن أن السياحة هي أهم مصدر للدخل القومي وأنها قاطرة التنمية في مصر؟!
بالطبع لم أسمع عن أي نهضة اقتصادية تحققت بالسياحة اللهم في بلد ما تعداد سكانه لا يتجاوز بضعة آلاف، أما في بلد يصل تعداد سكانه إلى ما يقرب من 90 مليون نسمة ويبدو أن ذلك هو السبب في تعطل قطار التنمية بأكمله لأن السياحة القاطرة الرئيسية فيه على حسب ما يروج رؤساء الحكومات في مصر .
بالطبع يمكن أن تلعب السياحة دورا مهما أي تنمية اقتصادية ولكن لا يمكن أن تقود هى التنمية . فلك أن تتخيل أن قطاع الزراعة منذ 1985 لم يزدد حجم الاستثمار العام فية عن 3%، لك أن تتخيل على الجانب الآخر حجم الإنفاق على القطاع السياحي في مصر.
2- مصر من الدول الفقيرة في الإنتاج الحبوبي أي أن ما تنتجه لا يكفيها ولذلك تتجة الدولة المصرية لزراعة الفراولة تأكيدا لمقولة عمنا “متقال” حين قال “الفراولة بتاع الفراولة قرب اشترى منى أولى”.
ومن الفائض التصديري للفراولة نشتري القمح مع العلم أننا من الممكن أن نزرع القمح ولكن يبدو أننا نتمسك بتراث الريس متقال.
كثيرا ما يتحدث كل ما له صوت وقادر على الحركة في مصر عن قضية الأمن القومي ولكن ماذا عن الأمن الغذائي؟ّ! مصر تعاني من نقص شديد في إنتاجها للحبوب مما ينعكس سلبا على أسعار الغذاء فيها التي تستمر في الارتفاع.
3- الدول التي تعاني من فقر في الموارد الطبيعية ووفرة في الموارد البشرية بالمقارنة تتجه لأن تبني صناعات إنتاجية قادرة على أن ترفع الناتج المحلى بنسبة كبيرة وبالتالي ترفع نصيب المواطن من الناتج المحلى ولكن في مصر تأبى الرأسمالية المصرية الطفيلية أن تكون ناجحة حتى في الاستغلال، فعلى سبيل المثال اليابان دولة تعاني من نقص في الموارد الطبيعية بالمقارنة بعدد السكان لذلك اتجهت قبل وبعد الحربين العالميتين أن تكون قوة مصنعة كبيرة في العالم وهو ما نجحت فيه.
لم نجد مثلا في اليابان مسئول حكومي يخرج علينا بقول سديد على غرار السياحة قاطرة التنمية أو عائدات قناة السويس هامة للبلد أو تحويلات اليابانيين في الخارج مصدر للعملة الصعبة.
بالطبع لأن الرأسمالية اليابانية ناجحة في أن توفر هامش كبير من الرفاهية للمواطنين بفضل اتجاهها للتصنيع، كذلك في دول أخرى ذات باع قصير في التنمية مثل النمور الآسيوية والصين أدركت جميعها أنه لا مناص من أجل تحقيق الرفاهية سوى الاتجاه للتصنيع.
ولكن كما يقولون في المثل الشعبى، “اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى”، والدولة المصرية تتسم بحول بصرى قد يصل لحد العمى خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد.
4- لأن بداية التنمية الاقتصادية تكون متلازمة مع تطوير المناهج العلمية والاهتمام بالبحث العلمي، فمصر تنفق 1% على ميزانية البحث العلمى فيها، وبالطبع لن أقارن بين تلك النسبة ونسب عالمية لكن لو عرفت أن مصر مثلا تنفق على خدمات الوزارت ومجلس الشعب ومصرفات مؤسسة الرئاسة أكثر مما تنفقة على البحث العلمى فالبطبع هذا أفضل من المقارنة.
5- مصر تستهلك ما يقرب من 66 مليار متر مكعب من المياه في الزراعة في الوقت الذى تبلغ حصتها من مياة النيل 55 مليار فقط .
إذن فهناك عجز في المياه اللازمة للزراعة توفره الحكومة بـ12 مليار من مياه الصرف الزراعي التي يعاد استخدامها، وحوالي 5 مليار من المياة الجوفية ورغم أننا نعيش في ذلك العجز منذ ما يقرب من 20 عاما أو أكثر لم يفكر أحد في تلك الدولة في تحويل الزراعة المصرية التي تعتمد على تقنيات زرعية من القرون الوسطى أهمها الرى بالغمر إلى زراعة مميكنة حديثة تعتمد على تقنيات ري حديثة، ولا عزاء لأولي الألباب في مصر.
في النهاية قد تتنوع الأسباب ولكن كما يقولون أن شر البلية ما يضحك ولكن الضحك في تلك الحالة من سياسات الدولة أصبح “ماسخا”، لأن الضحك لا يحل بل يزيد الطين بلة على رؤوس 65% من الشعب يقبع تحت خط الفقر.

عن الكاتب
محمد رمضان