الآن تقرأ
أحلى من الشوكولاتة (الحلقة الثانية)

لقراءة الحلقة الأولى اضغط هنا

يعتقد البعض أن بداية ترك اليهود لمصر، تتمثل في مجموعة الصور التي نشرتها مجلة آخر ساعة عدد 28 فبراير 1956، والتي تظهر فيها عملية ترحيل بعض يهود مصر في ميناء الإسكندرية. وهو اعتقاد خاطئ، تماماً كالاعتقاد بأن عملية السطو تلك هي بداية القصة.

هذه هي البداية…

أثناء الحرب العالمية الثانية، تقدمت القوات الألمانية في الصحراء الغربية، عندها أصاب الذعر يهود مصر، حيث خشوا أن تنتصر ألمانيا النازية في الحرب، ويقعوا في قبضة أدولف هتلر. فقام بعضهم بتصفية أعماله وبيع ممتلكاته بأبخس الأثمان والسفر إلى جنوب أفريقيا. كان من بين هؤلاء إيزاك حاييم. وهو جواهرجي عاش بالإسكندرية، كان يملك محل مجوهرات. باع حاييم المحل لأكثر العاملين عنده أمانة وذكاءً، وهو منقاريوس عبد الملك، ثم غادر مصر بلا رجعة. كان ذلك بالطبع بمثابة نقلة مادية في حياة منقاريوس، لاحظها الجيران والأقارب والأصدقاء. حيث أدخل آخر أبناءه مدرسة خاصة، وقلت مشاجراته مع زوجته المتعلقة بالمأكل والملبس ومصاريف إيجار الشقة، وتحسنت علاقته معها في الفراش. كما أنه انتظم في التردد على الكنيسة، شكراً للرب من جهة، ومن جهة أخرى ليصنع لنفسه زبائن جدد. ولم يغير اسم المحل حفاظاً على زبائن حاييم. بل إنه لم يجر حتى تعديلاً واحداً على واجهته. كان منقاريوس ذكياً في عمله، ذكياً جداً، بسبب تعامله مع اليهود.

وكان له ابن يدعى ألبرت، تميز بالخجل حتى سن متأخر. وكان يصطحبه معه إلى المحل في أيام الإجازات الدراسية، فأحب المهنة وأحب ما تعتمد عليه من إقامة علاقات ناجحة، والقدرة على الإقناع، وسبر نوايا النساء؛ ما الذي يردن شراءه؟ ولماذا؟ ومتى؟. ومع مرور الوقت صار يتردد على المحل دون دعوة من أبيه. وكان العاملون هناك يبالغون في حسن معاملته تحسباً لما سيصير غداً.. وبعد أن تزوج ألبرت بعام واحد وفي يوم أحد سماءه وبحره كان الشيء الرمادي نفسه، مات منقاريوس مطمئناً، مستريحاً، متأكداً من أنه صنع لزوجته وأبناءه وأحفاده حياة سهلة. وأقيمت له جنازة من أرقى الجنازات التي شهدتها كنيسته.

وبالرغم من كون ألبرت واحداً من هؤلاء الرجال الذين يعانون من أنيميا المشاعر، إلا أن وفاة والده كانت بالنسبة له حدثاً جللاً، ولم ينجح شيء في التخفيف عنه سوى وجود جينا إلى جانبه؛ تلك المرأة التي تعرف إليها لأول مرة كزبونة في المحل وأعجب بها. وبفضل أمواله الكثيرة لم يهتم والدها بالفجوة الإجتماعية الموجودة بين العائلتين، ووافق على زواجهما.

كانت جينا بالنسبة له هي كل شيء؛ البداية والنهاية، الحلو والمر، الحب والكراهية. فهي أول امرأة يصرح لها بحبه. ومعها عرف كل المشاعر التي حُرم منها في مراهقته. كما أنها خلقت لديه قدرة، تعجب منها كل من عرفوه جيداً، على حب الآخرين وقبولهم كما هم.. ذلك كله لأن امرأة أحبته، لا أكثر.. وهي أيضاً عاشت معه أجمل أيامها على الأرض، واستمتعت وحدها بثمار جنته التي لم تطأها أقدام امرأة قبلها. كما كان يشعرها دائماً بأنه في حاجة قاسية لاحتوائها وعطفها. ولم يكن ذلك بتصنع منه، بل بعفوية رجل، عرف قلبه المراهقة مؤخراً.

بعد خمسة وثلاثين عاماً من زواجهما، أصيبت جينا بسرطان الدم (اللوكيميا). بالطبع فعل ألبرت كل ما بوسعه حتى لا يفق ملاكه الحارس، ولكن عبثاً كانت كل محاولاته.. ماتت جينا بعد صراع مع السرطان استمر ثلاثة أعوام. ماتت ميتة هادئة على نحو لم يتحمله ألبرت. فانقطعت علاقاته بكل أقاربها ومعظم أصدقاءه، ولم يعد يذهب إلى الكنيسة، وتشوشت صورة الله في ذهنه. ساوره شعور بأنه يريد التعرف إليه من جديد، وفي الوقت ذاته اجتاحته رغبة عارمة في أن يبتعد عنه حتى لا يراه.

مع جينا لم يشعر ألبرت يوماً بأنه يتقدم في العمر، ذلك بسبب روحها الشقية وحبها للمغامرات ورغبتها، المزعجة أحياناً، في تجربة كل ما هو جديد الحياة. لذلك كان منطقياً أن يتفاجأ يوم وفاتها أنه قد جاوز الستين، الأمر الذي جعله منزعجاً بنفس درجة حزنه على فقدانها.

بموت جينا، تحول ألبرت من صبي مُدلل، إلى عجوز يحمل قلب يتيم.

اعترته رغبة عارمة، شعر بها تنتقل من قاع نفسه لتطفو كالسمك الميت على سطحها، في أن يعيش مراهقته مجدداً. إلا أنه لن يكون ذلك المراهق الخجول، الحسن الخلق مرة أخرى.. وبالفعل وجد مراهقته المنحرفة التي لم تكن له من قبل، في الحانات وبيوت الدعارة. ودفن ملله واكتئابه في أراضي عشرات المومسات. ومع كل واحدة منهن كان يحاول أن ينسى ما حدث له قبل أشهر أو أيام وربما ساعات. ولم تكن تنغص عليه أبداً فكرة الخيانة، بل كان يستمتع جداً بتكرارها. حتى أنه في بعض الأوقات كان يتمنى لو أن جينا كانت لا تزال على قيد الحياة، ليستمتع أكثر بطعم مغامرته، ولتشعر هي ولو بجزء من ألمه. ولم يكن يتحمل الاستمرار لفترة طويلة مع واحدة بعينها. كان التغيير هو الشيء الوحيد الذي يساعده على النسيان. ولم يكن يستمر مع من تشعره بعمره أو خطيئته. ولم يكن يهتم بالمداعبة، بل كان أداؤه يتسم بالتسرع والتلهف، فيبدو وكأنه مراهق يفعلها للمرة الأولى.. وفي بعض المرات، خاصة وقت الإيلاج، كان يشعر بأنه بذلك ينتقم من الله، انتقاماً هادئاً، تماماً كما رحلت جينا.. وقتها كان ينزل من فوق عاهرته ويستلقي بجانبها ويبكي بحرقة. ألبرت الذي جاوز الستين، كان يبكي كما لم يبك طفل.

على الجانب الآخر، شعر بحاجة قوية إلى التقرب من فتيات، يشعرنه بأن سنه ما هو إلا مجرد رقم لا قيمة له أو أثر. وأنه لا يزال يحتفظ بجاذبيته التي كان يتمتع بها أثناء شبابه. وبالفعل تفوق على نفسه وحقق نجاحاً لن يصدقه حتى جاري تشابمان في علاقاته مع المراهقات اللواتي كن يترددن عليه في محله. نجح في ذلك عن طريق البيع لهن بأسعار لا يصدقونها، والحصول على أرقام هواتفهن، والاتصال بهن في أعياد ميلادهن. وفي بعض الأحيان كان الأمر يتطور فيدعو إحداهن إلى العشاء بمطعم فاخر، ولم يكن يجعلها ترحل إلا بعد أن يشعر معها بأنه أسعد من بقية المراهقين الشباب. ومن المواقف الطريفة أنه ذات مرة اتصل بجميع الفتيات اللواتي يعرفهن، ودعاهن إلى حفل عيد مولده الثالث والستين الذي أقامه في شقته ذات الست عشرة غرفة. وبالفعل حضرن جميعهن محملن بالهدايا القيمة. واُلتقطت له معهن صور كثيرة، من بينها صورة يحيطن فيها به، مبتهجات، بينما هو تتلألأ في عينيه الدموع. لازال يحتفظ بهذه الصورة أسفل زجاج مكتبه بالمحل، بجانب صورة تجمعه بجينا. وقد ظل في ذلك اليوم حتى وقت متأخر من الليل، يقص عليهم قصص ومغامرات شبابه، دون أن تفارق الابتسامة وجهه. كما ساوره شعور يومها بأنه أقوى من الزمن، ومن سنه الذي نظر إليه على أنه مريض بالسرطان.

ولازال ألبرت حتى الآن ينعم بمغامراته الجنسية، وعلاقاته المتعددة بمراهقاته الفاتنات. هذا هو الفردوس في نظره. ولازال محله من أشهر محلات المجوهرات بالإسكندرية، وتزوره أرقى العائلات وأكثرها ثراءً، تماماً كما كان في أيام حاييم.

عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".