الآن تقرأ
مالذي يخشاه حراس “الهوية” من قوس قزح؟

بمجرد أن فتحت صفحة الفيس بوك وجدته يعرض علي تظليل صورة البروفايل بخطوط ملونة كقوس قوح ، وجدت الألوان مبهجة بحق ، لم أكن أفهم معناها لكني أدركت أنها بالتأكيد ليست مجرد نوع من الفنون المعاصرة وعند ما قرأت خبر إقرار أوباما لقانون زواج المثليين ، وتذكرت أن تلك الألوان هي نفسها ألوان العلم الذي اختاره مجموعة من المثليين للتعبير عنهم ، أدركت أن الفيس سيشتعل ، وبالفعل بدأت الرسائل والبوستس تنهال علي تحذرني من معنى الألوان التي لم استخدمها اصلا وبشكل استباقي بادر الناصحون وفاعلوا الخير بشرح معنى الألوان وشتيمة كل من يستخدمها وقد طالت اللعنات مؤسس الفيس بوك نفسه وكان الأولى منهم مقاطعة تطبيقه بدلا من استخدامه في شتيمته ولم استغرب فالمصريون اعتادوا حضور أفراح ومناسبات جيرانهم فقط لشتيمتهم وانتقادهم ولتأكيد كم هم معفنين ونتنة ليلوكوا سير الناس وطعامهم في جوف واحد ، وتذكرت أيام الانتخابات عندما كانت صورة البروفايل كفيلة لأن يحذفك البعض من قائمة الأصدقاء بمجرد رؤيتها فقد أعلن أحدهم فخره لغربلة بروفايله من أحفاد قوم لوط وتابعيهم ، لم استغرب هجوم المهاجمين ولا دفاع المدافعين عن حقهم في التضامن مع المثليين ، الذي فاق دفاع المثليين أنفسهم عن أنفسهم ، لم استغرب حتى جبن بعض أصدقائي من أصحاب الميول الجنسية المثلية وعدم جرأتهم على وضع تلك الألوان ، لم استغرب دفاع المحبين والمتضامنين المضني عن أنفسهم عندما يحتد النقاش لينفوا عن أنفسهم صفة المثلية كأنها تهمة وهم الذين كانوا يعتبرونها منذ سطور قليلة في تعليقاتهم حق من الحقوق الشخصية ، لكن انا ، أعوذ بالله ، وحاشا وماشا وغيرها من التعاويذ ، لم استغرب قلق حراس الاستقرار على مستقبل مصر التشريعي من تأثير هذا القانون لكني اردت أن أسألهم أين هي مؤسسات مصر التشريعية أصلا لتتأثر بالسلب أو الايجاب ، لم استغرب أنهماك القانونيين في تحليل تداعيات هذا التطور القانوني الخطير في أمريكا وبالتالي في أختها في الرضاعة في الشرق الأوسط ، وهوسهم من اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب احتمال واحد في البليون من إقرار قانون كهذا بعد عشرميت سنة ضوئية في مصر ، وتناسيهم لتداعيات قانون مطبق بالفعل اسمه للعلم قانون التظاهر حبس على أثره ويحبس كل يوم آلاف الشباب ، وأردت أن أسألهم أي القانونين أولى بالقلق منه ، لم استغرب استماتة الغيورين على دينهم من حراس الهوية والتقاليد المصونة في الجوهرة المكنونة ، في هجومهم على المثليين وتحميلهم ذنب كل كوارث الأرض ، فالشاب الذي لا يمارس حياته الجنسية إلا في عادة سرية بين جدران الحمام لا يستطيع ابدا أن يستوعب حق غيره في تحديد ميوله الجنسية ، الشاب الذي لا يستطيع الفرار من شروط الشبكة والنيش والحلة السيراميك لا يستطيع استيعاب التغاضي عن شرط اختلاف النوع لصحة الزواج ، الشاب الذي لا يجد شقة ولا وظيفة ولا مستقبل ، ويحيي كل يوم أقدم مشاهد السينما الكلاسيكية لحبيبته وهي تزف لغيره لا يستطيع أن يستوعب أن حتى ( الشواذ ) بتتجوز ، مع تحفظي على كلمة شواذ ، لكن الحقيقة أن هؤلاء المهاجمين ينظرون للمثليين نظرة أكثر احتقارا من نظرتهم للحيوان ويحقدون الآن عليهم نفس حقدهم على كل كائن يمارس حياته الجنسية بحرية ، وتلك الضوابط التي يدعون انها تميز الإنسان عن الحيوان في ممارسته الجنسية هم أول من يتخطوها عندما يجلسون على الصالون المدهب ويدخلون مزاد الزواج التقليدي الذي تحول إلى سوق نخاسة برعاية الأهل والأقارب، تلك الطريقة في الزواج التي تجعله من وجهة نظرهم إنساني وطبيعي وسنة الحياة ، لم استغرب لهاث بعض الصحفيين لسؤال رجال الدين عن حكم الشريعتين الإسلامية و المسيحية في زواج المثليين كأن القضية جديدة علينا أو كأن أوباما ينتظر رأيهم ، وإنبرى بعضهم في تحذير الأمة من المخاطر والكوارث الإنسانية وغضب السماء المنتظر لا محالة بعد إقرار ذلك القانون ، لكنهم كالعادة غضوا الطرف عن الكوارث الحية بالفعل حولنا في العالم بسبب التطرف والعنصرية التي يغذون نيرانها كل يوم بحطب خطبهم وفتاويهم ، لم أستغرب كل هذا فالشعب الذي لا يعرف عن كوبري قصر النيل إلا أنه مكان ليمسك يد حبيبته خلسة لا يدرك بصره أبدا ألوان قوس قزح عندما يتكسر على مياهه ، الشعب الذي تربى على أن الحياة أبيض أو أسود فقط ومن ليس معي فهو حتما ضدي لا يمكن أبدا أن يميز الألوان.

(Visited 448 times, 1 visits today)
عن الكاتب
هبة الحسيني
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق