الآن تقرأ
“الكوميكس”..الفن المفقود في بلاد الحلم الموؤود

بدأ فجر التاريخ بالرسوم المصورة على الجدران.. فكان أول “كوميكس” في التاريخ مصري \ آشوري \ يوناني على الجدران يحكي قصصا يدرسها البعض في شكل مناهج أكاديمية اليوم.
التعريف الأبسط للكوميكس والروايات المصورة، هي “القصة المسرودة في شكل شرائط مرسومة، تقرأ فيها الحوار في شكل فقاعات كلام على لسان أبطال العمل”، نعم تماما كما طرأ في ذهنك ..”قصص ميكي بتاعة الأطفال يعني !” ..لكن دعني أشرح لك مدى ضخامة الأمر الذي قد يلخصه خيالك في “قصص ميكي”.. في منتصف القرن الثامن عشر عندما صارت الصحافة المطبوعة كيانا مهما في أوروبا، في أعقاب الثورة الصناعية، بدأت صحف عدة بريطانية في إصدار رسوم كوميدية ساخرة، مصحوبة أحيانا بتعليق، وسميت بـ”الكارتون”، وانتقل بعدها للألمان والفرنسيين حتى صار من أكثر الموضوعات شعبية.. بل وكان أحيانا البعض يشتري الجريدة من أجل الرسوم المضحكة.. واستمرت الرسومات الساخرة حتى مطلع القرن العشرين.. ثم تطورت لكتب مستقلة في الثلاثينيات في الولايات المتحدة، وكانت شريحة الأطفال هي المستهدف الرئيسي، فبدأ البريطانيون في إصدار مجلة the dandy بريشة رسامين متعددين أشهرهم Jamie Smart وKarl Dixon، ثم ابتدع العبقري البلجيكي Hergé مغامرات “تن تن” أو “تان تان” بعد تعريبه.. ونجح نجاحا باهرا في أوساط الأطفال والشباب الصغير.. ثم في أواخر الثلاثينيات بدأ كوميكس الحركة والمغامرة بظهور أبو الشخصيات الخيالية وأهمها على الاطلاق.. وهو سوبرمان “كاليل” الغريب الآتي من كوكب آخر.. فيجعله مناخ الأرض خارقا.. وانتشر انتشارا واسعا، ربما لعدة أسباب اجتماعية وثقافية، أهمها نستشف منه مولد “الرمز الأمريكي” للقوة المنفردة أثناء أقسى وأقوى وأعنف حروب الكوكب.. بينما أعقاب الحرب العالمية الثانية برزت على التوازي رسوم الكوميكس اليابانية الشهيرة المعروفة بالمانجا Manga، والتي ابتدعها الفنان الياباني Osamu Tezuka، ولكن كالعادة معايير القوة قلبت الموازين ولم ينتشر المانجا سوى في اليابان وما حولها فقط.. حتى تحول لرسوم متحركة في السبعينيات.

في الجانب الآخر من العالم في مصر مثلا لم نر الكوميكس سوى في الصحف في شكل كاريكاتير ثم بعد ذلك ظهرت أولى المجلات المصورة وهي مجلة “السندباد” عام 1952 وكانت تعتمد على المحتوى المترجم وقليل من المحتوى العربي الخالص بريشة أبي الكاريكاتير المصري الفنان حسين بيكار.. ثم تلتها في العام 1956 مجلة سمير التي صدرت عن دار الهلال والتي كانت تحتوي علي شخصيات عربية مصرية خالصة لفتت انتباه الصغار والكبار في تلك الحقبة، تبعتها عدة مطبوعات مثل ماجد الإمارات وعلاء الدين وبلبل خفت حضورها بعد فترات نجاح قصيرة.

Sindbad_Children's_Magazine

الأبطال الخارقون :

في الولايات المتحدة تطور في الخمسينيات والسيتينيات المحتوى الكوميدي للكوميكس باتباع خطى سوبر مان في خلق شخصيات خارقة بدأت بالمحقق المقنع وباباي البحار، ثم تبع ذلك المرأة الخارقة وكابتن أمريكا وبات مان.. وبدأ كل من DC comics  و marvel في تشكيل أكبر منافسين في سوق كوميكس الأبطال الخارقين فوصل لنا المحتوى الأمريكي مترجما للعربية ..فانبهر به الشباب العربي آنذاك.. ولم تقم حتى أي محاولة لصنع منافس عربي خارق..لعدة عوامل أهمل الاختلاف الشديد في طبيعة التفكير والثقافة العربية والمصرية و العقلية العملية المطحونة في صراعات سياسية واحتلال، و ربما أيضا الصبغة الجامدة لرفض الخيال المبالغ فيه وعدم إطلاق قيود الإبداع الفكرية، وكأن العقلية الشرقية بصفة عامة خلقت للاحتلال والصراع والصحاري والجمود.. و نسينا أصول أساطيرنا العربية\الفارسية في ألف ليلة وليلة، والسّير الشعبية.. هل كل هذا جعل من العقلية العربية المصرية مستهلكا للخيال الجامح وليس منتجا له..؟

من الورق إلى السينما.. ومهرجانات عالمية:

لا تسألني كيف استثمر الغرب والولايات المتحدة تحديدا صناعة القصص المصورة.. بدأ منتجو هوليود الأذكياء الانتباه لشعبية الكوميكس وقاعدة قرائه العريضة، فبدأ إنتاج مشاريع مثل بات مان وسوبر مان وإنديانا جونز، فبدأ الظهور السينمائي والتليفزيوني على الشاشات.. وتطور مع تكنولوجيا الإبهار البصري إلى أقصى درجاته بأفلام مثل X men و avengers و spiderman وغيرها، في أوائل السبعينات أقيم في سان دييجو كاليفورنيا أول مؤتمر \ مهرجان للقصص المصورة Comic – con.. بعرض بعض القصص الجديدة والنادرة لهواة الكوميكس، وتطور إلى مهرجان أزياء تنكرية وملابس من شخصيات الخيال في القصص حتى صار حدثا مهما اليوم يجتمع فيه كل المهتمين بتلك الصناعة من منتجي هوليود وشركات نشر كوميكس وقراء ومعجبين من أنحاء الولايات المتحدة، بل وصار وجهة سياحية يأتيها المعجبون من كل العالم، وانتشرت أيضا نسخ منه في نيويورك وعدة ولايات، بل امتد للخارج في طوكيو ولندن، وأخيرا انتبهت لقوته الشقيقة الثرية الإمارات العربية لتصنع نسختها العربية dubai comic – con.

123753-marvel-heroes

محاولات.. ولكن:

على مدى الستين عاما الأخيرة لم نر محاولات جادة لصنع رواية أو قصة مصورة بقوة، خلاف قصص ميكي ومغامرات ديزني الغربية المعرّبة.. اللهم على استحياء نذكر فقط مطبوعات المؤسسة العربية الحديثة مثل “فلاش” الكوميدية المرحة بريشة الفنان خالد الصفتي.. و”أوسكار” التي استوردت بالكامل من كوميكس فرنسية وأمريكية.. وعدة محاولات اختفت لشخصية “بلية العجيب” ومطبوعات “مولوتوف” و”مجانين”، وفي الدول العربية صدرت عدة مطبوعات مثل التسعة وتسعين وأبطال العرب و الكثير من القوالب المصدرة من DC comics مثل إيزيس و حايوث وحتى “ابن الخفاش” العربي الذي جعلته DC comics ابن بات مان في أحد مطبوعاتها! وغيرها ممن تم نسخ قوالبهم من الخارقين الأمريكين، فبدا المحتوى غير أصيل وغير جدير بالمتابعة.

أما على صعيد الرواية المصورة Graphic novels لم نر سوى عدة أمثلة جادة نذكر منها رواية “مترو” المصورة، التي تمت مصادرتها ومنعها من قبل المصنفات في 2008، لمحتواها السياسي الذي هاجم النظام الحاكم، وألفها ورسمها الفنان مجدي الشافعي.. ومحاولة أخرى لرواية “استخدام الحياة” التي تمزج السرد بالرسوم للمؤلف أحمد ناجي والرسام أيمن الزرقاني، وإن اتسمت بالجرأة والغرابة.. وربما محاولة أخرى لبطل الروايات الأشهر رفعت إسماعيل (بطل قصص ما وراء الطبيعة) في كل من “تأثير الجرادة” و”أسطورة المرأة الأفعى” ومطبوعة “الموت يوم آخر” من أدب الرعب لعدة مؤلفين.. وظهور كوميكس “فوت علينا بكرة” مؤخرا للفنان شرف عادل، بمحتوى كوميدي، ومطبوعات “توك توك” بريشة عدة رسامين مثل مخلوف ومحمد قنديل وهشام رحمة وغيرهم، ومشروعات ذكية مثل comixawy، وربما غيرهم مما أفلتته الذاكرة أو البحث.. وقد بحثت بنفسي شخصيا ككاتب روائي طيلة عدة أعوام عن رسام يشاركني رواية مصورة قوية من نوع الـ dark noire لكن باءت كل محاولاتي بالفشل.. فاضطررت لوأد الحلم مؤقتا.. ومع غيرتي العربية من عدة روايات مصورة أمريكية فائقة النجاح مثل sin city أو the preacher أو 100 bullets وجدت نفسي أسأل السؤال ذاته مرارا، أين مصر والعرب من المحتوى المصور الأصيل، وهل شماعة القارئ غير المهتم هي دوما الإجابة؟.. هل أدمنا تقديم القوالب الجاهزة للقارئ العربي دوما متحججين باتباع ذوق المتلقي دون النظر لاتجاهات تفرضها قوة المحتوى؟ أم أننا ببساطة تركتنا ريادة هذا الفن لمحبيه الغربيين، واستسلمنا للشريحة الكوميدية التي تساعد الجانب التجاري أكثر من الجانب الإبداعي؟

(Visited 335 times, 1 visits today)
عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005