الآن تقرأ
رأيت الله

عرفت الرجل في أحد أيام رمضان، كنت أتجول بصحبة صديق في شوارع مصر الجديدة، ننتظر حضور إفطار جماعي رتبته الشركة، كما هي العادة كل عام. مررنا بشارع هارون القريب من العمل، عرجنا على أحد الشوارع الصغيرة المتفرعة من شارع هارون. رآنا رجل يجلس القرفصاء، كان مشغولا بصب سائل أسود في أكواب بلاستيكية بيضاء، دعانا للجلوس، حاولنا الاعتذار لكنه أصر. جلسنا إلى جواره على حصير وقد وضعت في منتصفه طبلية خضراء اللون، كان يختلس النظر إلينا بين حين وآخر، بينما هو مشغول بما يفعل بهمة ونشاط، رغم سنه الكبير. ابتسم وقال موجها كلامه لي: “شايف الأربع شحوطة الواقفين دول… ولادي، أنا اتجوزت خمس مرات، ودول خارج المصنع، لعلمك أنا جامد ميغركش منظري، والحتة اللي هناك دي الخامسة، بس لسه مطرحتش” ضحكنا ورفيقي، ثم طلبنا الإنصراف مرة أخرى، رد علينا قائلا: “أنتو ضيوف عند ربنا، مش عندي، دي ساعة مفترجة، ربنا بينزل برحمته على اللي يكرم ضيوفه، عايزين تحرموني من الرحمة، أنا يا ولاد عملت كتير في دنيتي، خلوا ربنا يبصلي بعين الرحمة.”أخجلتنا كلماته، جلسنا ننتظر المدفع، فيما انهمك عم اسماعيل- هكذا ينادونه – في تحضير وجبة الإفطار مع أولاده وزوجته.ضرب المدفع، جلس عم اسماعيل بجواري، قال: “”ربنا يرحم والديك”، سألته كيف عرف أنهم رحلوا، رد قائلا: “فص عينك فص يتامى، شكلهم ماتوا قريب، متحزنش يا بني ربك موجود، بس شكلك عيل طيب من طينة خير، الرحمن معانا، وانت في ضيافته، من لجأ له لا يكسفه.” أبكتني كلمات العم اسماعيل، واقتربت مني سيدة مسنة خط الفقر على وجهها ومظهرها بحفنة من البلح، ربتت على كتفي وأعطتني البلح وقالت: “ربي يحرسك ويرضيك يا ولدي، متبكيش،” ثم ذهبت لمكانها على المائدة. تذكرت هذا الموقف بينما اسير في شارع التحرير بالدقي في طريقي للمنزل قبيل الإفطار.استوقفني رجل مسن وطلب مني أن أجلس لأفطر بصحبته على مائدة أعدها لوجه الله، شكرته وقلت له أني سأفطر بالمنزل، وهناك من هو أولى بهذه الصدقة، ونظرت للجالسين على المائدة متسائلا: “من يهتم لأمرهم باقي العام”، أغمض الرجل عينيه ثم فتحها قائلا: “كلنا غلابة يا حبيبي، وكلنا عايشين برحمته، تعالى اقعد في رحابه.”أشارت لي عجوز أن أجلس على مقعد خال بجوارها وعلى وجهها ابتسامة حانية، وعندما جاء صوت الشيخ محمد رفعت معلنا زوال الشمس وجواز الإفطار، لم أتمالك نفسي من البكاء ودعوت الله راجيا رحمته، ثم سمعت بكاء ونحيبا، ورجل يقرب على مقربة مني يقول: “لا إله إلا الله ربنا يرحمه ويجازيه خير،” مات الشيخ صاحب الدعوة، مات من استحضر الرحمة، وبقي الرحمن.

(Visited 786 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق