الآن تقرأ
“نوى الحلبية”.. العشق مقامه الجمال

في رمضان تأتيك تلك الحالة من الرُقي الروحي، الوجد المشوب بتفاعيل الرقة وأوزان الجمال، والبُعد عن ملذات الوجود، في مقام العشق، تترفع الذات عن مشهيَّات الناسوت، وتلتقي بالوجد المتربط باللاهوت، هكذا هي ببساطة فرقة نوى الحلبية “Nawa”، التي يأتي ألبومها “الابتهالات القديمة الصوفية والأغاني المنسية من حلب”، كواحدٍ من أفضل الألبومات التي تلتقط مرتقى الأنفاس والصبابة على الأراضي السورية قبل اندلاع الثورة.
العشقُ مقامه الجمال، لذلك تم تسجيل هذا الألبوم في منزل قديم شُيد منذ 500 عام في حارات حلب، التي تعدّ واحدةً من أقدم مدن العالم، في عام 2009، قامت مجموعة صغيرة العدد من المنشدين بالاجتماع بهدف الحفاظ على الأغاني الصوفية التراثية، والتي بدورها ترتبط بجذور تلك المدينة البهية.

عندما جاء العام 2010 كان “جاسون هامشيرد” في مدينة حلب بهدف التوثيق لعبض الأدعية القديمة، الطقوس الدينية، والأغنيات الدينية لبعض الأقليات السورية، وبالرغم من تحفظ هذه الفرقة الموسيقية، كان “جاسون هامشير” أول غربي يستمع لهم بمساعدة صديقٍ مشترك.

ما يُمكن أن نلحظه بشأن هذه الفرقة الموسيقية هو الالتزام بحدود الجمال ومعاييره، لكن مع فرد مساحة التوق والتسامي نحو الغيبيات وكرمة الأرواح العطشى، لعبت هذه الفرقة دورًا موسيقيًا كبيرًا في نشر التراث الصوفي، خاصة الشعبي منه (الإنشادي)، وهم الآن في حفلاتٍ متواصلة ما بين أوروبا والشرق الأوسط.

– سبحان علاَّم الغيوب.. سبحان مفرِّج الكروب

ظبي وادي النقا.. زاد في قلبي لهيب/ حرت يا أهل التقى.. في غزال أهيف ربيب/ ذاب جسمي اش بقى.. حار في دائي الطبيب/ صل على من رقى إلى القريب المجيب

الموشحُ غصن يطيبُ على صدر الريحِ، جزالة الكلمات تعصفُ بقلب المنشدِ، بين صدق الأنفاس ورحمة الوحيد الواحدِ، بلا فسلفة في الأداء أو إدعاء ينشدون على مقام “الركب” بين وتريات العود، وإيقاع الجيتار المهيب.

ولأن المفتون يقع دائمًا ضحية العشق، فكان لابد من الرفق، على مقام “بياتي” تُضبط الأنفاس، ترتقي وتهبط في ذهول العارفينْ، حيث تصبح همزة البدء بعد قطع مسافةٍ قصيرة ياء الوصول.

تلعب هذه الفرقة على جوهر الموسيقى، تمزج الوتريات بالإليكترو، المحصلة النهائية عفة الكلمات وشجن الصوت، تتكأ على التراث بشكلٍ أساس، على تلك الألحان الموشومة بالأرض الحلبيَّة. فيما يُشبه موشح “لسان الدين بن الخطيب” جادك الغيث الذي أدته قيثارة السماء “فيروز” نجدهم يُنشدون بمنتهى الرِقة والعذوبة “يا حبذا الدُجى”، وكأن الكلمات هنا خُلقتْ لتُنشد، لتغنى على وقع خطى القلوب، وليس الأقدام.

-في ليالٍ كَتمتْ سرَّ الهوى/ بالدُّجَى لوْلا شُموسُ الغُرَرِ

تمايلٌ عن ذات اليمين وذات الشمال، هكذا تأخذهم الجلالة وهم ينشدون لخالق الوجود، حالة فريدة كقداسٍ في حضرة الملكوت.

ثيمة هذه النغمات هي المهابة، أن تخلع نعليكَ وتجلسُ أرضًا لتحيطك قوة الأصواتِ وجزالة الألحانِ، إنهم ينشدون للخالق، وينهلون من نبع العشقِ وكرمة حلبيَّة تعصر خمرًا لسكاري القلوب المختومة برحيق الوجدِ والتوقِ.

ليست هذه التسجلات سوى محاولة للحفاظِ على التُراث، على نبع المعرفةِ، وذكر الخالق بقلب العاشق المسكون، في حضرة التصوّف والإنشاد، تبدأ الحلقاتُ الحلبية التي تشرعُ من مدارس الرواد كصبري مدلل وغيره من السابقين.

(Visited 229 times, 1 visits today)
عن الكاتب
محب جميل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق