الآن تقرأ
خبرني العندليب (الحلقة الخامسة) .. يومي 26 و27 يناير والحفاظ على الشعلة الموقدة

بعد مرور يوم 25 يناير بصدمة أصابت الحكومة والمتظاهرين على السواء بسبب حجم المشاركين في ذلك اليوم، كانت هناك معارك صغيرة لم تنل حقها من الاهتمام دارت على مدار يومي 26 و27 يناير 2011. كانت المقدمات كلها تشير إلى أن هناك شيء سيحدث في الجمعة التالية.

السادس والعشرين من يناير تستيقظ الثانية عشر ظهرا، تتابع سريعا الفيس بوك والفضائيات، التفاؤل والأغاني الوطنية ودعوات يوم الغضب تملأ الفضاء الإلكتروني،  وتتذكر صديقك القديم فجأة فتتصل به، لا يرد، ثم يتصل هو قائلا : حمد الله ع السلامة، مستني تليفونك من امبارح، نقول يا مسهل ، الجيش معاكم ، قول يارب وتكمل على خير إن شاء الله.

أنهينا المكالمة سريعا وعدت لمتابعة ما يحدث: أنباء عن مظاهرات متفرقة في شوارع القاهرة، وسط البلد، العباسية، مدينة نصر، تتأهب للذهاب للعمل، مكالمة من حسن البربري يسأل عما إذا كان هنا شيئا سيجري اليوم، تخبره أن هناك مظاهرة بالفعل الآن قريبة من عبد المنعم رياض، تقول له أنك للأسف ذاهب للعمل ولن تلحق بها، اتصال من الناشط  إسلام محسن حول نفس الموضوع، تقول له: أقرب مظاهرة لك هي مظاهرة العباسية، استناهم يوصلوا باب الشعرية وضُم عليهم.
في العمل نقاشات حول ما حدث أمس، الكل غير مصدق، نتذكر قيام شبكات المحمول بقطع الخدمة عن ميدان التحرير ، نبتكر   دعوة لمقاطعة الشبكات الثلاث يوم الأحد 30يناير وترسل إيميل بهذه الدعوة لقرابة عشرين شخصا، تشعر بعد ذلك بسذاجة الفكرة، انقطع النت قليلا لكنه عاد بعد ساعة تقريبا، تتابع أخبار المظاهرات في وسط البلد وبولاق، يتصل بك محمد خير ويخبرك أنه في إحداها والأمن طاردهم ثم تجمعوا مجددا في شامبليون ويخوضون حرب شوارع معهم، تحاول الاتصال به مجددا وتجد هاتفه مغلقًا  يساورك القلق وتتأكد بعدها من يحيى وجدي وأحمد خير أنه ألقي القبض عليه فعلا .

343_343091

نكتشف قناة غريبة ( قناة الراي أو الرأي )، تبدو وكأنها مخصصة فقط لما يحدث في مصر، تنهمك في العمل وتتابع الأخبار التي تتوالى من السويس وشائعات نزول الجيش هناك، اتصال من صديقك ومديرك الإعلامي ياسر رشدي، يخبرك أن قناة تليفزيونية أمريكية سألته عما إذا كان يعرف أحدا من المشاركين في مظاهرات الأمس لتجري معه مداخلة هاتفية ورشحك لهم، لم تمانع واتصلوا بعد قليل، تحدثت إليهم عن كراهية المصريين لنظام مبارك الذي تراجع بمصر على كل المستويات.. إلخ، سألوا عن إمكانية تكرار النموذج التونسي في مصر فقلت إن هذا كلام سابق لأوانه لكن الأكيد أن مظاهرات الأمس أجهضت مشروع التوريث تماما .، تطمئن على محمد خير بعد إطلاق سراحه، تنهي عملك في الثانية عشر ليلا وترحل، في المنزل تتابع الأخبار  وتلاحظ  مع آخرين  سقوط المواقع الإلكترونية  لرئاسة الجمهورية  ورئاسة الوزراء، كان ذلك لافتا  لأنه لم يسبق لهذين الموقعين حدوث هذا الخلل فيهما، تزداد شكوكك،  هناك من يدعم هذه الانتفاضة فعلا  .

الخميس 27 يناير ظهرا، ترسل  لمعظم من تعرفهم من أصدقاء ومعارف للمشاركة في جمعة الغضب، قبيل العصر يصدر أول رد فعل من النظام على الأحداث، يخرج صفوت الشريف في مؤتمر صحفي قصير ليلقي كلمته التاريخية بأسلوبه المميز (مطالب الشعب فوق رؤوسنا)، يتلعثم في إحدى  الكلمات، حسنا الارتباك واضح، وتأخر رد الفعل يؤكد أنهم في مأزق حقيقي.

تذهب لتناول الغداء مع الأولاد في الحدائق ومنها إلى وسط البلد للقاء الناشطة والصديقة ماريان ناجي، في الإسعاف ترى مظاهرة تعبر الشارع إلى بولاق ابو العلا، شباب صغار السن في العشرينات وما دونها يهتفون ضد النظام، تنضم إليهم وتتصل بهاني درويش لينشر الخبر، يسألك عن مدى تأكدك من صحته، تقول له أنك تسير معهم فعلا ولم تنقله  عن مصدر وسيط، اتصال من هشام طليب بعدها بدقائق يخبرك بمظاهرات ومعارك بين الأمن والمتظاهرين في الطالبية بالهرم وأنه هناك والأمن يضرب قنابل دخان بغزارة حتي داخل البيوت، تحاول الاتصال بهاني  درويش   لنشر الخبر أيضا وتفشل، انقطعت الاتصالات تقريبا أو كادت .
تلتقي وماريان ناجي  في الجوريون، بالقرب منكما تلمح  الناشط محمد نعيم وآخرين، تسلّم على نعيم بحرارة، لا صوت في المكان يعلو فوق صوت المعركة، تقول ماريان أنها متشوقة تماما لمعرفة ما سيجري غدا تسألك عن توقعك ومشاعرك تقول لها أنه لن يمر على خير، ولاوصف دقيق لما تشعر به: إنت نازل مشوار مش عارف أوله من آخره ومفتوح على كل الاحتمالات، لا انت عارف هتروّح سليم ولا تاخدلك رصاصة طايشة ولا يتقبض عليك، كل الاحتمالات قائمة وما فيش رجوع .

عدت للمنزل، اتصالات مع الأصدقاء الذين يفترض أن نتحرك سويا في جمعة الغضب، لم نحدد مكان اللقاء وقررنا ترك ذلك لصباح الجمعة تحسبا لأي طاريء، انقطع الانترنت تماما وتوقفت خدمة الرسائل الهاتفية والاتصالات أصبحت غاية في الصعوبة، تتابع قناة الراي، تشعر أنك أمام لغز، القناة غريبة جدا والمذيع يتلقى اتصالات هاتفية من مواطنين من القري والنجوع والمحافظات يهاجمون نظام مبارك ويؤكدون مشاركتهم في جمعة الغضب،المذيع يلقي توجيهات بكيفية مواجهة البلطجية والتعامل معهم! ويؤكد أن غدا هو يوم إسقاط النظام، لم تجد تفسيرا لهذه القناة ولم تقتنع انها موجهة  من الخارج ودارت شكوكك حول أن جهة أو ( جهاز ) مصري هو المسؤول بشكل أو بآخرعنها ، وعبّرت عن هذه الشكوك في حوار مع الإذاعة الألمانية حول ما حدث في 25يناير وتوقعات جمعة الغضب وقلت أن 25يناير كان مفاجأة للجميع لأن روافد النهر تجمعت كلها ونزل المصريون للشارع فعلا كما أن قرار البرادعي بالعودة فجأة مساء الخميس مسألة (مليئة بالدلالات )،قلت إن  الجمعة لن يكون يوما عاديا ويبدو أن هناك من يدعم هذه الثورة من داخل النظام نفسه .

لقراءة باقي حلقات كتاب: خبرني العندليب..اضغط هنا

(Visited 206 times, 1 visits today)
عن الكاتب
عمر قناوي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق