الآن تقرأ
أقصوصة -مَقْرُبَة

عباد يحيى                                                             

كان يجلس عادة بين تاريخ إيطاليا في العصور الوسطى، وتاريخها بعد الحرب العالمية الثانية. يزجي عدة ساعات تبدأ بعد الغداء وتنتهي بُعيد مغيب الشمس. ولا يمرّ به إلا سعال عمال النظافة، وهمهمات فتيات يبحثن عن الحب بين الكتب، وفي حالات نادرة يمرّ قيّم المكتبة ويسرق منه عدة جمل باهتة.

أما هي فتأتي لتجلس قبالته على يمين “السود في الرواية الأوروبية”. لم تكن تفعل شيئا يذكر، إلا التلفّت حولها في جولات من التفكير الطويل، تختمها بوضع أصابعها على الطاولة، وتحريكها في مسارات وهمية، ثم تتنفس كأنه أنهت أمرا ما.
كانت المسافة قصيرة بما يكفي ليسمع اضطراب أنفاسها، ودبيب تفكيرها الطويل، ويحس دفء احتكاك أصابعها بخصلات شعرها. كانت المسافة قصيرة جدا بما يكفي لترى الخدوش التي خلفتها الكتب على أطراف أصابعه، وملاحظة احمرار عينيه كلما اقترب الليل، وقراءة الملاحظات التي يدونها في دفتر صغير.
كانا ذكيين بما يكفي ليدركا أن حزنا ما استقر على كتف أحدهما، أو أن فرحا ما يراوح بين الشفتين والحاجبين. كانت المسافة أقصر من ألا يدركا أنّ كل منهما لا يرفع عينه عن الآخر إلا ليعيدها.
أشهرُ العِشْرة الطويلة لم تحمل حتى إلقاء تحية أو سؤالا عن الأحوال. بللهما المطر ذاته في الطريق إلى المكتبة، ولفّتهما العتمة ذاتها كل مساء، وأزعجتهما الذبابة نفسها وهي تطرق النافذة المغلقة بدل أن تبحث عن المفتوحة.
شاهدته يبكي وهو يقرأ، وشاهدها تغفو وتستيقظ ورأسها بين ذراعيها على الطاولة، وسمعها تغني لنفسها ألحانا بديعة، إلا أن جدارا ما، ظلّ ماثلا.
رغم إعجابه مرات ومرات بكنزتها الصوفية، وقميصها السماوي، وقرطيها الطفوليين، وصفير نحنحتها العذب، ودقائق شرودها الملهم. ورغم إعجابها الحالم بصبره الطويل، وجَلَده النادر، ومسكة القلم، وضحكات شاردة من الورق الأصفر، والظهر المشدود، والعينين الناعستين؛ رغم ذلك كله، لم يقطع التاريخَ إلى الآدب، ولم تقطع الأدبَ إلى التاريخ.

ينشر هذا النص بالتعاون مع أقصوصة

اللوحة رسم رقمي للفنان عبده البرماوي

 

عن الكاتب
أقصوصة
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق