الآن تقرأ
مصطفى السيد سمير يحكي (2):فيما يرى القاعد بين الصحيان والنوم

المحطة ما كانش فيها غيرنا.. أنا على الرصيف ده وهو على الرصيف اللي قدامي. المحطات بتوترني جدا.. عشان إحنا أصلا ما بنصدق نظبط الساعة البيولوجية بين الصحيان والنوم. قعدنا نبص لبعض.. قلت له: عندنا وقت.. تيجي نبدل؟ قال لي: مش حتخاف؟ قلت له: لا، أنا من زمان نفسي أصحى. قعد يفكر شوية وبعدين قال لي: طب ولو ماعرفناش نرجع.. قلت له: ساعتها نبقى نخاف.. وفعلا لما جم القطرين بتوعنا.. كل واحد ركب مكان التاني.

 

أول حاجة استغربتها كانت المسافة.. بعد ما عدت فترة وأنا جوا القطر حسيت إني زهقت.. فقلت أشد المسافة شوية عشان أوصل أسرع.. ماعرفتش. وبعد شوية لقيت فكرة حلوة جت قعدت جنبي.. فقلت أطول المسافة.. بس لقيتها متثبتة في القطر بمسامير حديد.. لا بتزيد ولا بتقل.. ومكتوب عليها “صنع في الزهق”. كانت أول مرة أشوف منتجات الزهق.. وبدأت أحن للقطورات بتاعتنا اللي كانت بتتفك وتتركب حسب ما إنت عايز.. والمسافات اللي بتختارها من البوفيه زي ما بتختار قهوتك.

 

بعد ما وصلت لقيت ناس كتير على الرصيف.. استغربت إنهم كانوا كلهم شبه بعض.. كإنهم نقط مطر مالهاش لون.. أو نغمة واحدة بتتكرر زي الجرس.. حطيت إيديا على وداني من غير ما أحس.. عارف يعني إيه تلاقي جرس بيدق حواليك طول ما إنت ماشي.. ولو غمضت عينيك أو غطيت ودنك بيلاقي طريقه تحت جلدك. الناس دي عايشة كده إزاي. فكرت إنهم أكيد هنا كل واحد بينام في أوضة لوحده.. ولما بيبقى مستني حد في المطار بيشيل يافطة باسمه عشان يعرف يلاقيه. وسألت نفسي يا ترى هما بيفضلوا كده كل يوم.. ده يبقى جحيم.. الواحد عندنا ما بيقدرش يعيش من غير ما يغير بين فترة والتانية.. مرة يبقى فهد إسود ومرة يبقى عصفور كناريا ومرة عوامة بحر ومرة كرسي أرابيسك.. يا ترى حقدر أقعد لبكرة عشان أشوف هما حيبقوا إيه.. ولا مش حاستحمل البعد عن أهل المدينة بتاعتي.. الملونين زي أنوار الملاهي وزي خروشة محطات الراديو اللي مش مظبوطة.

 

فضلت ماشي وسط رنين الجرس ده.. بنفس الطريقة كانت البيوت كلها مبنية لفوق.. مافيش بيوت مموجة زي البحر ولا بيوت طالعة دواير في الهوا زي فقاقيع الصابون. كل الموبيليا خشب.. مفيش كراسي من الفاكهة أو سراير من رغوة النسكافيه. كل المحﻻت منورة كإن مفيش حد محتاج الضلمة عشان يختار. حتى الجوامع كلها بتشاور لفوق كإن الإله مش موجود غير في السما.

قعدت على الرصيف وأنا بابص على الشارع قدامي.. كل البنطلونات زرقا أو سودا كإنها مجموعة أقلام على مكتب موظف أرشيف.. مفيش رجلين بتتكلم مع بعض عن أي حاجة حتى لو بتسأل عن الطريق.. مفيش عربيات مش بتدخن أو بتحب المصاصات مثلا. وكأن البشر كلهم عيانين بوباء غريب.. المشكلة مش إيه الوباء ده.. اللي محيرني هو إزاي قادرين يعيشوا معاه. حتى لما تعبت ورحت أدور على مكان أبات فيه.. سألت عن فندق على شكل عقل عشان أنام وسط الأفكار.. قالولي إن الفنادق هنا عبارة عن أوض مبنية وبس.

 

ما كانش قدامي غير إني أحاول أرجع بأي شكل. رحت صيدلية عشان أشتري تذكرة.. لكن الصيدلي قال لي إن الأدوية المنومة كلها خلصت. خرجت وأنا مش عارف أعمل إيه. الجرس لسه بيرن تحت جلدي. فكرت إن التذاكر دي هي الحاجة الوحيدة اللي ليها علاقة بينا.. يبقى أكيد شباك التذاكر هو كمان له أشكال كتير. خفت من الفكرة على قد ما اتحمست ليها.. واستغربت من خوفي ده.. معقول يكون وجودي هنا لمدة ساعات خلاني أخاف من التغيير. قعدت أمشي وسط الناس وأنا بافكر يا ترى أنا لو عملت شباك تذاكر حاعمله فين.. خاصة لو مش عايز الناس العيانين بالوباء يوصلوله؟؟ دورت في المزيكا النشاز.. وجيوب الهدوم اللي مش مكوية.. وتحت الشجر اللي مش بيتحرك ضله مع الشمس.. وفي شنط الولاد اللي مش بيعيطوا وهما رايحين المدرسة. كنت طول الوقت باهرب من الكﻻم مع الناس.. باخاف من ريحتهم وأكلهم ومطارح خطاويهم.. ما كنتش عارف العدوى ممكن تيجي منين.

 

كان لازم آخد بالي من المطاعم اللي بتقدم وجبات الخيال السريعة.. اللي بيشتغل فيها الشعرا والرسامين والممثلين.. أصلهم قالولنا إنهم ممكن يبيعولك تذاكر مزيفة مفعولها يخلص بمجرد ما تخرج.. ﻷن التذكرة اللي توديك مكان تاني لازم تكون معمولة عشانك إنت بس. كمان كان لازم آخد بالي من مصايد الفوضى.. اللي ممكن تكون عبارة عن بلاعة مفتوحة أو بيت شايل أدوار زيادة أو عربية ماشية عكس الاتجاه.. حذرونا قبل كده إن الحاجات دي مش تذاكر خيال لكنها تذاكر عدم.. وبيحطوها للمتسللين اللي زيي عشان يقعوا في العدم.. أو يفضلوا خايفين منها وياخدوا العدوى عن طريق الخوف.

 

النهار بدأ يمشي.. توقعت إن الدنيا حتضلم بحكم العادة أو بسبب فقر الخيال. كنت خايف من الضلمة كإنها امتحان.. لو ماقدرتش أشوف في الضلمة ممكن يكون ده معناه إني أخدت العدوى.. ومش حاعرف أخرج من هنا أبدا. وقفت قدام صالون حلاقة.. كان جواه راجل عجوز إيديه بتترعش لما بيتكلم اسمه عم فايق. الراجل ده كانت شغلته إنه يقص الخياﻻت الزايدة ويسرحها بحيث تكون شبه فورمة معينة.. كان عنده 12 فورمة.. والزبون بيختار واحدة وبعدين بيبص لتحت ويسيب عم فايق يشتغل. كان من المنطقي إن ده يكون آخر مكان ممكن أدور فيه.. بس أنا قلت إني – لنفس السبب ده – كنت حاخبي شباك التذاكر بتاعي هنا. قعدت على الكرسي مستني دوري.. فضلت أتفرج على ال 12 فورمة اللي بيوزعهم عم فايق على أهل المدينة كلهم.. فورمة التفاؤل الساذج والتعب اللذيذ والمشاعر المتضاربة والخوف من الاستعجال والضحك من غير نفس وكآبة اللحظات الحلوة. قعدت أفكر حافتح معاه الكلام إزاي.

لما جه دوري قعدت على الكرسي قدامه.. حط ال 12 فورمة المرصوصين في دايرة قدامي عشان أختار.. ابتسمت وقلت له: مش بافكر في حاجة معينة. قال لي: تحب أختارلك واحدة منهم؟ قلت له: ﻷ، اعمل اللي ييجي على بالك. فاجئني.

 

وقف عم فايق مستغرب.. وقعد يبص لي كتير وهو مش مصدق. بعدين مشى الزباين كلهم بحجة إن التكييف عطلان.. وقفل الباب وطفى كل أنوار المحل.. ولما لقاني لسه شايفه في الضلمة قال لي: إنت عرفت مكاني إزاي؟ قلت له: أنا كنت بابص على الناس طول اليوم.. ومع إن مفيش غير ال 12 فورمة دول.. لكن كان دايما فيه تفصيلة صغيرة بتفرق كل واحد عن التاني.. ممكن الفرق ده يحصل لما الواحد يضحك أو يتعصب أو يحب.. ممكن يبقى مؤقت وممكن حتى ما ياخدش باله منه. حسيت إنك بتبوظ شغل الصحيان.. أو بتوجه رسالة للناس اللي بتحاول تنام. قال لي: إنت أكيد كنت نايم. قلت له: أيوة. سألني: وجيت هنا إزاي.. اللي أعرفه إن اللي بيجرب النوم مش بيحب يصحى تاني. قلت له: دي قصة طويلة. إنت بقى ما حاولتش تهرب من هنا ليه؟

قال لي: أنا حاولت أعمل أكتر من كده.. أنا شاركت في الثورة. كنا مجموعة كبيرة قوي وطالبنا بصلاحيات للنايمين في الرقابة على سلطة الصحيان.. وكان أول مطالبنا الحق قي العلاج.. بإن يبقى عندنا شباك تذاكر مفتوح للناس كلها. قلت له: وبعدين. قال لي: هجموا العساكر علينا وضربونا بقنابل خيبة الأمل.. وبنادق المعادلات الحسابية الصعبة. ناس كتير استسلمت وناس كتير اتصابوا حواليا وبقوا صاحيين لﻷبد. واللي حاولوا يهربوا وقعوا في مصايد الفوضى اللي كانت محاصرانا.. ماحدش فضل غيري.. عشان صعبت على عسكري فشالني على إني عيان ورماني في مكان بعيد. ومن ساعتها وأنا باحاول أساعد الناس يهربوا. سألته: وساعدت ناس كتير؟ ابتسم وقال لي: أيوة، بس في الحقيقة كلهم عرفوا مكاني من العسكري ده. إنت أول واحد يكتشفه لوحده. عشان كده كنت خايف.

 

وقتها أنا كنت متلخبط ومش عارف أعمل إيه. عم فايق كان بيبص لي وعينيه فيها أمل مكتوم. ماعرفش هل كان حاسس بده فعلا ولا كان بيمتحن قدرتي على قراية العيون. كان عجوز جدا.. وإيده كانت بتترعش مع إنه دلوقتي مش بيتكلم. كان واضح إن ده شباك التذاكر الوحيد.. ولو اتقفل ماحدش حيقدر يهرب من هنا.. أو حتى يساعد الناس على المقاومة. عدت فترة سكوت طويلة.. ما كانش فيها غير صوت الجرس اللي برة.. اكتشفت إنه ما بقاش بيدمر أعصابي زي ما كان بيعمل أول ما جيت.. وحسيت إني بدأت أكتشف فيه تفاصيل صغيرة بتعمل فروق بين نغمة كل واحد والتاني.. فروق يمكن هما نفسهم مش حاسين بيها. ابتسمت. ابتسم عم فايق. ﻷنه هو كمان كان بيقرا العيون. ورغم كده ما قدرش يداري دهشته لما سبت الكرسي ووقفت.. وقلت له: إنت مش محتاج مساعد؟

 

لقراءة المزيد من الحواديت اضغط هنا

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق