الآن تقرأ
 في حب السيدة

أنا: طيب وهنتقابل فين ؟

هي (بلكنتها العامية المكسرة) :إيه رأيك عند القهوة الخضرا اللي في باب اللوق ؟،أنا  على طول بانسي اسمها ..إمممم، القهوة الخضرا دي يا أخي اللي أنا بحبها، إنت عارفها مش كده؟!!.

أنا: اتفقنا، خلاص هستناكي قبل الفجر بساعة عند القهوة الخضرا دي اللي انتي بتحبيها!.

أجمل ساعة في ليل القاهرة الساعة اللي قبل الفجرية ؛ يوم بيسّلم يوم. الشوارع، البشر، حتى القطط والكلاب بيكونوا، وعلى غير العادة، متصالحين مع بعض، الكل عاوز ينسي هموم اليوم اللي فات ويقّفل حساباته ويبدأ مع اليوم الجديد.

صفحة جديدة، نادرة أوي في بلدنا الأوقات اللي زي دي، وأندر منها الأماكن اللي بتقبل الغريب وتتصالح معاه وتوسّع له مكان تحت جناحها؛ ويمكن ده اللي دفع صديقتي -الصحفية الأجنبية- إنها تختار الوقت ده والمكان ده نبدأ منهم طريقنا.

اتقبلنا حسب اتفاقنا، وبدأنا مشوارنا ؛شارع في باب اللوق يسلمنا لشارع في عابدين، وحارة في عابدين تسلمنا لحارة في

الناصرية، القصد لاقينا نفسنا قدام جامع السيدة زينب . كان فجر يوم جمعة والإذاعة بتنقل شعائر صلاة الفجر من الجامع في اليوم ده ، ومع وصولنا كان المذيع بيمّهد لتقديم الشيخ سعيد حافظ، اللي كانت تواشيح فجر اليوم ده من نصيبه قلت لصديقتي أنا بحب الجدع ده والظاهر لنا نصيب النهارده في سماعه، يالا بينا ندخل نصلي الفجر وبعد الصلاةن تقابل عند الباب الرئيسي.

دخلت الجامع وخدت مكاني وانا بمّني نفسي بكام دقيقة اسمع فيهم الشيخ سعيد عن قرب ؛ صورة الشيخ سعيد في ذهن

ناس كتير مرتبطة بالكام دقيقة اللي شارك فيهم محمد الحلو في أغنية (يا حبيبي كان زمان) لكن صورته عندي مرتبطة أكتر بالشيخ محمد عمران؛ اللي كان بيوصف عم سعيد بتوأم روحه ،ولما عرض سيد مكاوي علي الشيخ عمران برنامج  (ادركنا يالله) في رمضان سنة 1985 كان شرط عمران الوحيد أن عم سعيد يشاركه الإنشاد في البرنامج ده.

بدأ عم سعيد في وصلة إنشاده، وبصراحة ماخيبش أملي. بعد الصلاة خرجت وأنا متراضي. قابلت صديقتي اللي كانت مستنية عند باب الجامع وعرضت عليها ندخل المقام نسلم علي الست ونجاور شوية، وبدافع من فضولها الصحفي رحبت بالفكرة .

أول ما دخلنا المقام استقبلتنا أوضة صغيرة، عنينا وقعت فيها علي مجموعة مريدين متحلقين في دايرة وبيستعدوا لشئ شَبه حضرة او إنشاد، سلموا علينا  بلغة العيون والإبتسام، فبادلناهم السلام . وبعدين دخلنا الباب اللي علي يمينا ؛اللي فيه مقصورة الست، سلمنا عليها باللي فتح به ربنا علينا، وبعدين خدنا مكان عند العمود المقابل للمقام .

شوية ودخل علينا عمسعيد حافظ متأبط دراع شاب صغير، وأول ما عدى الباب اللي بيفصل ما بين الأوضة الصغيرة و المقصورة خاطب الست وقال : ” مدد من غير عدد يا طاهرة من طاهرة، مدد من غير عدد يا صورة من صورة، الشوية اللي فاتوا  ول كانوا لأجل أكل العيش يا ماما، والشوية الجايين دول ليكي انتي لوحدك ياست الكل”. وبدأ ينشد ؛ نقول فضل ينشد خمس دقايق، جايز.نقول فضل ينشد ساعة ،برضه جايز ؛في نفحات كده للزمن الوقت فيها مش بينقاس بالدقايق والساعات.

ودي كانت نفحة منهم ؛ كانت  واحدة من أجمل تجليات عم سعيد اللي سمعتها في حياتي.

“خدت بالك من Birdy Birdy بيردي بيردي؟!” سألتني صديقتي وهي بتشاورلي بطرف عينها على رجل كبير في السن، نحيف الجسم، سنة ضاحك وعينه كلها حيوية وشقاوة عيال صغيرين؛(بيردي بيردي) لقب صديقتي بتحب توصف به أي شخص رقيق الجسم وخفيف الروح. كان عم (بيردي بيردي) متابعنا من لحظة دخولنا المقام بنظراته وابتسامته اللي مش بتفارق وشه، ولما آنس منا قبول ومودة اتشجع وبدأ يهادينا باللي ربنا يقدره عليه؛مرة كوباية شاي.

يغيب شوية ويرجع بكام أورصة سادة علي أبوعجوة، وفي مرة غاب ورجع بعلبة فول نابت، وفي كل مرة يقولنا :

“النبي عليكو ما تكسفوني، دي هدية من الست”.

مابين وقت للتاني كان (بيردي بيردي) بيزعق بعلو حسه :”يا فُسحة الغلابة يا سيدة”، رنت جملته دي في وداني في نفس الوقت اللي تهادي لمسامعي جملة كان بينشدها مريدين الأوضة الصغيرة ؛ وكأنهم بيردوا علي (بيردي بيردي) ويفسرولي كلامه ، كانت الجملة بتقول ” يا ست يا أم الكرم ده الروضة عندك والحرم ولا فيش محب إلا انكرم ولاينظَلَم ولا ينحَرَم وإن قالو إيه ده كل ده؟!، هنقول مدد يا سيدة”.

غريبة هي الكلمات اللي صاغها الحس الشعبي في مدح السيدة؛كلها بتدور حوالين معنى واحد ؛إن الكل هنا مقبول، إن الكل هنا له نصيب ؛ لما غنت الست خضرا محمد في مدح السيدة قالت “بنغني كلام لأقباط واسلام، ومعانا سلام لأعز مقام بنت الإمام السيدة”، وكذلك مريدين الأوضة الصغيرة متفقين مع الست خضرا لما قالوا “يا ست يا أجمل نِدا، طمّعتي في العفو العِدا، دول شافوا رحمة مافيش كده، قالوا مدد يا سيده”.هنا الكل له تحت جناح السيدة مكان، هنا الكل هيتراضى ؛ هتتراضى الست أمينة اللي جايه توفي بندرها، وهتتراضي صديقتي خريجة الكامبريدج اللي حدفها فضولها هنا.

الكل عند السيدة له في الحب نايب. هيتراضى هنا اللي صوته محشرج زيي وزيك وزي مريدين الأوضة الصغيرة؛ اللي غاية مناهم يعبروا عن حبهم بالغنا والانشاد، وهيتراضى اللي صوته ملائكي زي عمران وسعيد حافظ. الكل هنا مقبول، الكل هنا متراضي.

“يا فُسحة الغلابة ياسيدة” انتزعني (بيردي بيردي) من أفكاري وهو بيردد جملته المعتادة، التفت بنظري ناحية المقام لمحت رجل أربعيني سمته وهيئته تقول أنه صعيدي، شايل ابنه الصغير علي كتفه ومستقبِل المقام؛ وبدا- من طريقة كلامه لابنه ونظراته اللي كان بينقلها بانتظام مابين مقام السيدة وابنه – وكأنه بيعرّفهم علي بعض، وبعد ما تم التعارف اعطى ابنه ورقة فلوس مطبقة ؛علشان يحطها في صندوق النذور، الواد كان مزقطط وهيطير من الفرح..ديجافو..المشهد ده أنا شفته قبل كده!!، جايز لأنه اشهر المشاهد المألوفة في مزارات اهل البيت، وجايز لأنه بيفكرني بعادة اعتادها كل آبائنا وإحنا أطفال؛ لما كان بيحط في إيدك ورقة الفلوس المطبقة وإنت طفل صغير؛علشان تحطها في صندوق.

الصدقات، وإحساسك كطفل- بعد نجاح المهمة الكبيرة- بالثقة والفخر وطعم الانتصارات الأولى ،وجايز لأني افتكرت الست خضرا محمد وهي بتمدح السيدة وتقول” لما وعدنا، ربي سعدنا، سبنا بلدنا، وجبنا ولادنا، ومعانا سلام، لأعز مقام ،لبنت الإمام السيدة”.

خدت نفس عميق، حاولت أملي صدري على أد ما أقدر من الهوا حواليا وأنا باسترجع تفاصيل اليوم من بدايته، وكلي يقين ورضا بأني نلت كل اللي اتمنيته وزيادة حبتين. في اللحظة دي دخلت المقام واحدة ست شكلها من أهل المنطقة، معاها شنطتين كبار؛ شنطة مليانة نعناع والتانية مليانة ورد بلدي، وبدأت تغرز حزم النعناع والورد بالتبادل في تعاشيق شباك المقام؛حزمة نعناع جنبها وردة، وردة جنبها حزمة نعناع، وهكذا..طبعاً مافاتش (بيردي بيردي) أنه يميل على الست وياخد منها حزمة نعناع وكام وردة ويهاديهم لصديقتي.

أزف الوقت، وقربت صلاة الجمعة، وبدأت تهل بشاير المصلين؛ فكان لازم نستأذن الست ونودّعها .خرجنا وطولالطريق متبادلناش ولا كلمة لحد ماوصلنا القهوة الخضرا من تاني. وهناك وقفتلها تاكسي، قبل ما تركب ونودّع بعض التفتت لي وقالت :”انت سمعت قبل كده عن الأماكن اللي بتحب زوارها؟!، أهو إحنا النهارده كنا في حضرة واحد منهم”

 

وصلات للأغاني وبعض التواشيح المذكورة أعلاه

 

 

 

 

 

عن الكاتب
محمد جعفر
التعليقات

أضف ردك