الآن تقرأ
 منحات السفر والإقامة الفنية.. محاولة لتشذيب الشجرة

قبل أحد عشر قرناً، أنشد شاعر بدوي قصيدة مدح في الخليفة المتوكل (822م – 861) قال فيها: أنت كالكلب في حفاظك للود/ وكالتيس في قرع الخطوب/ أنت كالدلو لا عدمناك دلواً/ من كبار الدلا كثير الذنوب.

وعلى عكس المتوقع لم يقرر الخليفة معاقبة الشاعر أو جز عنقه، إذ كانت قناعة قد تملكت المتوكل بأن الشاعر البدوي موهوب وحسن النية، لكن حياة البادية وخشونة العيش لم يتركا له مجالاً ليقول كلاماً رقيقاً شاعرياً، وبناءً عليه، قرر الخليفة المتوكل منح الشاعر “علي بن الجهم” ( 803م – 863) منزلاً ذا بستان قرب جسر نهر دجلة، في قلب بغداد، حاضرة الخلافة الإسلامية، لتلين أخلاقه ويرق لفظه. وبعد شهور من العيش في بغداد استدعى الخليفةُ الشاعر لينشده، فقال ابن الجهم قصيدته الأشهر: عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري..

ربما يكون ماحدث بين المتوكل وعلي بن الجهم أحد أقدم نماذج (الإقامات الفنية)، والتي تمتد لعصرنا الحالي حيث تعمد المؤسسات الثقافية الأهلية منها والحكومية إلى تخصيص منحات ثقافية ودعوات إقامة فنية للمبدعين بغرض تطوير رؤاهم ومنحهم مجالاً اوسع للإبداع.

 

العرب مقصرون

 تتضمن الكثير من منحات الإقامة الفنية ورشات ومحترفات للكتابة، كنوع من تطويع فكرة السفر لخدمة الإنتاج الأدبي، وفي العام 2014، تكفّل الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) ثمانية كتّاب شبان، من مختلف البلدان العربية، ليقيموا في بيروت، وينخرطوا في فعاليات محترف الروائية نجوى بركات، وهذا العام، 2015، تكفلت آفاق بمنحات لعشرة كتاب عرب شبان، حيث سينخرطون أيضاً في ورشة للكتابة يشرف عليها الروائي اللبناني جبّور الدويهي، الإقامة موزعة على ثلاث مرات، بواقع أسبوع في كل من يوليو وأكتوبر وفبراير 2016، يعمل المشاركون خلالها على إنجاز مشروعاتهم الروائية.
الشاعر والروائي الفلسطيني سليم البيك، تحصّل مؤخراً على منحة آفاق، وعن منحات الإقامة الفنية وورشات الكتابة يقول البيك: “ليست برامج الإقامة الفنّية أو المنح الأدبية ابتكاراً عربياً، بل بالمقارنة مع البرامج المماثلة في أوروبا مثلاً نجدنا مقصّرين كثيراً في ذلك، قد يتعلّق الأمر بأسباب منها التفاوت المريع في مستويات دور النشر ونسب القرّاء ونضوج الإصدارات. وفي هذه الأخيرة تأتي الغاية من البرامج والمنح. فنحن، العرب، مقصّرون في الرعاية المؤسساتيّة تجاه المبدعين الأفراد، ومعروف تماماً أن النتاج الإبداعي، الأدبي تحديداً، هو نتاج فردي بامتياز، ومجمل المشهد الثقافي العربي هو نتاج جهود فرديّة بالمجمل. مؤخّراً ظهرت بعض المؤسسات الداعمة لهذه الجهود بشكل جدّي، منها على شكل جوائز ومنها على شكل رعاية النتاجات الأولى ومنها على شكل إقامات فنّية ومنح أدبيّة.

وبالنّسبة للبرامج والمنح فالغاية الأساسيّة منها برأيي هو العمل على أن يخرج النتاج الإبداعي بالشكل الأكثر نضجاً، أي استثمار إمكانات المؤلّف بالشكل الأفضل الذي يخدم العمل، إن كان من خلال ملاحظات نقديّة أو نقاشات في كلّ ما يخص العمل، الأسلوب واللغة والحكاية وغيرها”.

وعن محترف آفاق لكتابة الرواية يقول الكاتب الفلسطيني الشاب: “بالنسبة لبرنامج «الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)» المخصّص لكتابة الرّواية، وقد نلتُ منحتها لهذا العام، فقد كانت سابقاً منحة ماديّة، أي مبلغاً من المال يُعطى للمؤلّف وكفى، وليس ذلك برنامجا بل جائزة مسبقة لمشروع لم ينته. الآن البرنامج صار أقرب للإقامة الفنّية، فيشمل ثلاث إقامات في بيروت تمتد كل منها لأسبوع، تتوزع أيامه على المناقشات والقراءات بين المؤلّف والمشرف على المشروع وبين المؤلّفين وبعضهم، على أن يقوم المؤلّف بتطوير مشروعه والتقدّم في سيره خلال الإقامات الثلاث. البرنامج بذلك يكون مهموماً بنضوج المشروع لا بمكافأة مؤلّفه بمبلغ مالي، بذلك يكون البرنامج قد ساهم فعلاً في أن يَخرج العمل بالشكل الأفضل.

أعود للمسألة الأهمّ هنا وهي دَور المؤسّسات العربية في دعم المشاريع الإبداعيّة الفرديّة قبل خروجها، أي أثناء العمل عليها، ثم تتكفّل بنشرها وتوزيعها في حالة «آفاق» وبرنامج الرواية، هذا ما أسمّيه استثماراً للمشاريع وأصحابها، أو استثماراً للعقول، وذلك يختلف تماماً عن المكافأة، وأفضل منها بالنسبة لعمل لمؤلّف واسم المؤسسة ومجمل المشهد الثقافي”.

 

المدينة الدولية للفنون في باريس.. جنّة الفنانين

300 فنان من مختلف أنحاء العالم ينزلون في إقامات فنية على “المدينة الدولية للفنون” بالعاصمة الفرنسية، جلّهم ينشطون في حقل الفنون التشكيلية، وتالياً يأتي الموسيقيون، والفئة الأقل هم من الكتّاب. بعض هؤلاء تتم استضافته مقابل طلب يقدمه وفي حال اعتماده فإنه يساهم في التكاليف ويتحمل جانبا كبيرا منها، والبعض الآخر ينزل هناك في سياق منحة للإقامة الفنية.

وضمن الفئة الأخيرة، يأتي النحّات والكاتب المصري علاء عبد الحميد (1986م)، الذي حظي بمنحة من المركز الثقافي الفرنسي، حيث تتم استضافته في باريس لمدة ستة أشهر، لينجز مشروعه التشكيلي، القائم على المزاوجة بين الكلمة والنحت، بمنطق إدماج النص مع البصري وتضفير لمفاهيم ذات طابع فلسفي وربطها بشكل فني مع القطع المنحوتة. يقول عبد الحميد: “أنا الوحيد من مصر في منحة المركز الثقافي الفرنسي، وهي منحة للفنون البصرية عموماً”. ويضيف صاحب رواية “فرد أمن”: “الفوائد؟ وهل هناك فائدة أكبر من أن تتم استضافتك في المدينة الدولية للفنون في باريس لمدة ستة أشهر، تزور المراكز الثقافية والمتاحف وقاعات العرض التي لا حصر لها في باريس وحدها من بين المدن الفرنسية، تحتك بثقافات مختلفة، وأنا أقول ثقافات لا ثقافة، لأننا في مدينة كوزموبوليتانية، تتسع للعديد من الثقافات والأعراق.. الحقيقة أن الفوائد جمة، وعلى رأسها القيمة الفنية، لقد أعادت هذه الإقامة الفنية ضبط أبعاد تفكيري فيما يتعلق بالفن نفسه، برؤيتي له والزاوية التي أنظر له منها، مثلا تساءلت عن أسلوب عملي وتركيزي في منتجي الفني الفترة السابقة على المعطيات السياسية التي تستجد على الساحة، أظن أني لن أعود لهذه المقاربة مجدداً، ربما يجدر بي أن ينفتح عملي على اتساع الإنسانية، دون الانشغال بهموم محلية وإقليمية”.

 

 

35 كاتباً في “آيوا”.. لتغيير الجو
الروائي محمد عبدالنبي، وبعد أن خاض تجربة الإقامة في ولاية آيوا بالولايات المتحدة، يرصد مكتسبات منحات الإقامة: “لعلّ أهم ميزة في مسألة استضافة الكتّاب في دول وأماكن مختلفة للإقامة لفترة والتفرّغ للكتابة هي مسألة تغيير الجو، بكل بساطة، الخروج عن الروتين المعتاد للكاتب، استبدال المناظر المحيطة به والأصوات والوجوه واللغة وربما كثافة الهواء أو درجة نقائه. لا يستطيع الكتّاب – الشباب منهم خصوصاً – أن يتكفلّوا بهذا التغيير من جيبهم الخاص، جيبهم الخاوي أغلب الوقت. لذا فإن منحهم الفرصة للابتعاد قليلاً عن “بيئتهم الطبيعية” له قيمة تقارب قيمة الجائزة الأدبية أو المنحة الدراسية، فمن تلك المسافة تتاح لهم رؤية مختلفة – رؤية أوسع وأشمل ربما – لتلك “البيئة الطبيعية” الخاصة بهم… ليس فقط الخروج عن الروتين، بل أيضاً إرساء روتين جديد مختلف، له طعم غريب، ومع ذلك التشبث بفعل الكتابة اليومي البسيط، رغم الاهتزازات التي تطرأ حول هذا الكاتب الشاب في الديكور وشريط الصوت. هذا تحدٍ آخر واجهني خلال إقامتي لشهرين ونصف في ولاية آيوا بأمريكا العام الماضي – ضمن أكثر من 35 كاتباً من دول العالم المختلفة، في برنامج الكتابة العالمي الذي يعمل من ستينيات القرن العشرين على جمع طيف واسع من الكتّاب، على مستوى الأنواع الأدبية التي يمارسونها وكذلك على مستوى الثقافات والخلفيات واللغات، من أجل التفرغ للكتابة أولاً ثم إدراجهم في برامج عمل وورش وندوات وسهرات قراءة وأنشطة وفعاليات أدبية وثقافية مختلفة ذلك التحدي المتمثل في أن تستطيع أن “تفصل”، تضع جانباً انبهارك أو ضياعك أو ضجرك أو أياً كان ما تشعر به حيال تجربة كتلك وزملاء قلم من دول عديدة ومشرفي البرنامج والطعام المختلف والجو العام الغريب عليك، تضع كل هذا جانباً، وتدير الموسيقى الخاصة بك في غرفتك، وتحاول الدخول إلى عالم كتابك الذي تشتغل عليه، في تلك الحالة كان رواية “بيت العنكبوت” التي كتبت قسماً لا بأس به من مادتها الأولية خلال فترة الإقامة تلك، ولعلّه تحدٍ لا يختلف كثيراً عمّا يعانيه الكاتب في كل زمن أو مكان، ولكنه يكون مضاعفاً في مكان غريب وبين غرباء… الميزة الإضافية هي التعرّف على الآخر، خصوصاً إن كان هناك شيء أساسي وحميم يجمعك بذلك الآخر وهو فعل الكتابة، ولعلّ المفاجأة المدهشة تأتي من أن هموم الكتّاب لا تكاد تختلف كثيراً باختلاف ألسنتهم وأوطانهم، بقدر ما تختلف بتنوّع الأنواع الأدبية التي يعملون عليها أو مذاهبهم في الكتابة (مدى ميلهم للفن التجاري ومدى حرصهم على الجانب الجمالي) …

في النهاية حياة الكتابة هي حياة تتسم بالوحدة، وليس ذلك بالسيئ أو الكئيب، فلولا كنوز الوحدة لما أورقت الصفحات ولا ازدهرت السطور، غير أنه من المفيد والصحي – بل والضروري – من وقتٍ إلى آخر كسر حلقة العزلة تلك والاندماج قليلاً في تجارب من هذا النوع، تجارب تجعلنا نعود إلى وحدتنا أكثر نشوة وحماساً وامتلاءً بالحياة التي تنتظر لحظتها لتعيد إنتاج ذاتها في نصوصنا”.