الآن تقرأ
قراءة موسيقية ..أليس من ذلك بُد؟ بين بيتهوفن و كونديرا

استمع لهذه :

كنت دوما أتمنى أن أكتب بِمُصاحبة الموسيقى ،فأقترح على القارئ مقطوعة يسمعها أثناء القراءة، أشعر أن المعنى و القصد لن يكتملا بدون ضربات الموسيقى المُبطنة لشعوري ، ليس فقط لأني كنت أسمعها في مُخيلتي أثناء كتابتي، لكن لأن هناك ثمة مستوى من الشعور لا تدركه الكلمات ؛ التي تحدها أسوار اللغة و محدودية تعابيري مهما كثرت ،و يحكمها مدى توافقها مع إدراك القارئ .. أما الموسيقى فإنها تتكلم في بعد آخر ..تُخاطب الإحساس مباشرة ، لا تُحدها ثقافة الكاتب أو القارئ ، تعبر حدود الخرائط السياسية و اللغوية و الثقافية . تنفذ إليك رغما عنك !

 

وجدت أن كونديرا قد تبنى فكرتي حتى قبل أن أولد في روايته The unbearable lightness of being و ربما في أخريات ، فلن تتفاجأ إذا عرفت أنه درس الموسيقى ،كما أن أباه مؤلف موسيقي.

 

خفة لا يمكن تحملها

هذه الرواية ؛ كما ترجمها الناشر العربي: كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا  أو ( L’insoutenablelégèreté de l’être ) ، كتاب يثير إضطرابك و يصدمك أحيانا حد الإستهجان و أحيانا أخرى يثير إعجابك ..لكنه في كل الأحوال يدفعك للتفكير ..بحيث تتردد في الكتابة و التعليق عليه ، كما أنني لم أقيمه على موقع جودريدز ، كما اعتاد الكثير من القرّاء مؤخرا،  فلا تقييم يصلح لمثل هذه الرواية ، إن كان يمكن تصنيفها كرواية اصلا .

فأفضل توصيف له أنه رحله فكرية مع ميلان كونديرا نفسه ربما في تلافيف دماغه نفسها و في أعماق تاريخه ، فهو يخاطبنا مباشرةً في بعض الأحيان و يقول لنا صراحةً أن ليس في وسع الكاتب إلا أن يبتكر شخصياته من حياته ذاتها مع إعطائها إمكانات الخيال لتحقق ما لم يكن ممكن واقعا.

يأخذنا هذا الكتاب منذ البداية الى صلب الموضوع : الخفة و الثقل .. هل تخليك عن ما تؤمن به يجعلك أكثر خفة أم إن ثقله ما يجعلك أنت، يمضي بهذه الفكرة في ترددات لما تمثله في مستويات مختلفة كقطعة حجر صغيرة تلقها في صفحة حياة الأبطال في تلك اللحظة التاريخية الحرجة من تاريخ التشيك، لتتكرر في عوَد أبدي خلال القصة.

توماس رجل خائن ظاهريا لكنه مخلص بشكل أكثر عمقا لتريسا فهو الطرف الأضعف لأنه يشعر دوما نحوها بالذنب ، فهو -المتهرب من كل ثقل في حياته بما في ذلك ابنه و مهنته- لم يتخلص من ثقل انتمائه لتريسا التي أُلقيت في سلة على شاطئه، لكن من أجبره على التقاطه ؟ لم يكن هناك من بد فخفة كيانه لم يعد بوسعه أن يتحملها. بهذه البساطة يمكن تفسير ذلك العنوان الجذاب للكتاب ، و هو من أفضل العناصر في الكتاب.

غير أن البساطة ما لا تشعر به حال قراءتك لهذا الكتاب . حيث يتبنى كونديرا اسلوبا روائيا يتنوع فيه السرد ليشمل مناقشات فلسفية قد تذهب أبعد من حدود المنطق في كثير من الأحيان، إلا أنه يمكن تفسيرها بمسحة العبثية المميزة لليسار المُضطهد هنا أيضا، و يشمل حكايات تاريخية و لقطات أدبية أثرت القصة الرئيسية بزخم جعلها أكثر إمتاعا و عمقا . كما يظهر تأثر الكاتب الواضح بسيجموند فرويد و طريقة تفسيره و استخدامه لذات رموزه و مفرداته ، بل و أحلامه الرمزية المعقدة ذاتها .

 

الرباعية القدرية ثقل لا يمكن تجاهله

تصحبنا ثيمة “أليس من ذلك بد؟ لبيتهوفن طوال الرواية ..و سواء كان لديك سابق معرفة بالمقطوعة أم لا فحالما تسمعها  .. أستطيع أن أقول أن بعدا آخر يُضاف لتلك الرواية ، فقد جعلتني أتفهم مستو آخر من الشعور لا يوصف إلا بموسيقى بيتهوفن نفسه. من وجهة نظري ذلك أجمل شيء في تلك الرواية العبثية إجمالا.

هذه الرباعية الوترية لها مكانة متميزة جدا فهي الأخيرة بين أعمال لودفيج فان بيتهوفن . و سُميت القرار الصعب أيضا ، فمن يدري ما كان يدور بمُخيلة المؤلف الموسيقي العظيم في نهاية حياته الفنية ، هل كان يسطر بلحنه الأخير ذلك التساؤل الذي قضى حياته باحثا عن إجابة له ؟! هل كان عليه أن يرحل من بلده ألمانيا إلى فيينا ليصقل مواهبه؟ هل كان عليه الوقوف و التصدي للنُبلاء مُعتبرا نفسه نبيل بعمله و أحق منهم بمكانة النُبلاء؟ هل كان عليه إذا أن يحب واحدة منهم مع معرفته بعجرفتهم، فقط ليواجه حقيقة أنه “ليس نبيلا” مُجددا؟ هل كان عليه أن يقسو بهذا القدر اليائس  على إبن أخيه ؟

“ليس من ذلك بُد”

لا أعتقد أنه يوجد تشابه بين توماس (بطل رواية كونديرا) و بيتهوفن سوى في ذلك التساؤل الحتمي.

فالرباعية في الرواية تجسد الصراع القائم بنفس توماس بين اختياره لحب تريسا الأشبه بالقدر المحتوم و بين ميله الدائم للتنصل من أي “ثقل” لكيانه الخفيف و الذي ضحى بمقدرات عمله و زواجه السابق للحفاظ على خفته، أما تريسا “فلم يُكن هناك بُد منها!”

 

حوار الوتريات يتردد صداه داخلك

فلعلك تسمع الآن بعد الحوار الصارخ بين الوتريات في جمل لحنية تكاد تنطق بكلمات must it be?  ، تكسَّرت نبراتها في استكانة لقدرها ، و الرضا به it must be ، و تتجلى موسيقى بيتهوفن كالمعتاد في عرض مشاعر مُضطربة بين الإذعان لذلك القدر و التلذذ به و بين التردد و الحزن الدفين لأنه على أية حال لم يكن هناك مفر منه.. هل إذعانه و تقبله له بل و حبه لقدره بحب تريسا يجعل حرمانه من الخيار مقبولا ؟ هل يتساوى ذلك مع خفته “حريته” المُهدرة؟

تتصاعد الجمل اللحنية إذا من جديد في ذات البداية الصادمة ، فالسؤال لا يزال قائما مع كل شيء… تتكرر النغمات المُضطربة بين السؤال و الجواب …

إنه تمازج عبقري بين الصور التي يرسمها و يهّدمها ميلان كونديرا -مثل بطلته سابينا- ليعبر بها عن ذلك التردد الأبدي ، و بين نغمات بيتهوفن التي لم يكتبها لتُعزف على أصابع البيانو فقط ، بل لتطرق أسئلة في أعماقنا عن خيارات أو لا خيارات، نتركها كثيرا بلا جواب.

أخيرا يقول كافكا:

إنّ الكتاب الجيّد كمعول يحطّم الجليد بداخلنا”

أُضيف : و الموسيقى الجيدة كذلك؛ تجعلك تُبحر لتلك الجزر المهجورة بداخلك.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق