الآن تقرأ
مترجم- دائرة التواصل ..الحركات الراقصة لمداواة الصدمات النفسية

كتبت: تانيس هاجيل، حاصلة على الماجستير، مُسجّلة بأكاديمية المعالجين بالرقص

استخدم البشر منذ العصور الغابرة التعبير بالفنون للعلاج من الخبرات الصادمة. ويمكن أن تكون أدوات العلاج بالحركات الراقصة ذات نفع خاص، بسبب أنها توّحد بين الجسد والابتكار بوصفهما منابع للشفاء، حينما تصبح الكلمات غير كافية في هذا الصدد. إن استخدام الرقص كأداة استشفائية له جذور نابعة من معرفة كون الجسد والعقل غير منبتّي الصلة عن بعضهما البعض. وعلى هذا، يقدّم الرقص خبرة مباشرة لمشاركة المشاعر على مستوى جسدي وسابق للمستوى اللغوي، الأمر الذي يوفّر مشاعر الاتحاد والتناسق والمشاركة الوجدانية.
تعتبر التروما – تعني الصدمة النفسية – نتيجة لحدوث اعتداء على كياننا، وعواقب التروما معقدة وصعب الوصول إليها. قد تشمل تلك العواقب انفصال تام عن الحياة، والعزلة عن الآخرين، والقلق والاكتئاب واضطراب كرب ما بعد الصدمة والاعتلالات الانفصامية والإدمان بأنواعه، واعتلالات الأكل، ومجموعة من الأمراض الجسدية، إلى جوار فقدان الهوية الشخصية نتيجة للانفصال عن الجسد.
بالنسبة لجميع من نجا من محنة سببتها تروما عنيفة، في أي عمر كان، فإن التحدي لا يكمن فقط في علاج الجسد، بل أيضًا معالجة العقل والروح. تصبح إمكانية الشعور بالأمان والمتعة بالنسبة للجسد معاقة. إذا كان الجسد قد جُرح، فإن الناجين يستمرون في التواؤم مع الخراب العاطفي، وذلك حتى بعد معافاة الجسد بوقت طويل، إلى جانب إعادة التفاوض الذي تقوم به هوياتهم كي تعود إلى أجساد عانت من تغييرات عميقة. وعلى هذا، تصبح المعافاة أكثر صعوبة بسبب التأثير الشديد الواقع على المهارات الفطرية للتأقلم في الحياة، بالنسبة للناجين.
يختبر الفرد أحاسيس عن تمزق روابط الاتصال، والصلات الحيوية بين الطفل ومقدّمي الرعاية، وذلك بالنسبة للتروما النمائية الحاصلة بسبب إساءة معاملة الأطفال. يمحو هذا الثقة اللازمة للنمو العاطفي الصحّي، وتنتج إعاقة في إصدار الأحكام على الأشياء عند الناجي، وإما قد يحاول هو/هي محاولات مشوّشة لخلق ارتباط مع أي شخص، بما في ذلك مرتكبي الجرائم، و/أو الانسحاب إلى الأمان المحسوس الذي توفرّه العُزلة. (جونسون، 1987) يؤثر سوء المعاملة الجسدي والعاطفي والجنسي على كيفية النمو الصحيح للفرد، وعلى إمكانية الإحساس بالأمان والمتعة في الجسد. إن الأثر الذي تتركه تلك الصدمات النفسية ينتج عنه أفراد يشعرون بالعجز واليأس وممتلئي الإحساس بالعار. ويمكن أن تعطب القدرة على مواساة النفس (…). (فان دير كولك، 2002). يجعل كل هذا الأمر أكثر صعوبة للتوافق مع أحاسيس الرعب والعجز والغضب والحزن.
ومهما كان السبب، تظل الخبرات الصادمة مطمورة في أجسادنا. ويمكن أن تصبح المشاعر الجارفة والذكريات الصادمة مكبوتة ومقموعة، وذلك في محاولة للبقاء حيًا وإعادة خلق حسٍ بالاستقرار والتوازن. ومع ذلك، يمكن أن تؤثر أنماط من الانفصام والحالات المزمنة للصدمة على قدرة الفرد على أن يحيا حياة صحية ومرضية.
تعتبر خبرات التروما محفوظة في الذاكرة على صورة أحاسيس وصور، ولا يمكن الوصول إليها عن طريق الكلمات. تقع هذه الذكريات في الأجزاء البدائية من المخ، منفصلة عن الإدراك الواعي. يُعدّ المستوى الواعي من الذاكرة حكائيا ورمزيا ولفظيا، وتتحكم فيه الفصوص الأمامية من المخ. وتعتبر الذكريات المنعزلة أو المنفصلة للتروما قلب أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة، والسبب الرئيسي لها. (فان دير كولك، 1994) ويجري التعبير عنها من خلال ثلاث مساحات من التصرفات. أولاً، تظهر صور مقتحمة ولا يمكن التحكم بها عن التروما في هيئة ومضات راجعة وحالات انفصامية وهلوسات، وردود أفعال ثقيلة عاطفية و/أو جسدية، يثيرها إشارات نابعة من داخل الشخص أو من البيئة الخارجية. ثانيًا، تتسبب في حدوث التجنّب المثابر والخدَر العاطفي كردّ فعلٍ للتجارب المرتبطة بالتروما، وللكثير من مظاهر الحياة. وثالثًا، تثير حالة دائمة من التيقظ المبالغ فيه، وأن يشعر المرء أنه متوتر وعلى الحافة. (الرابطة الأمريكية للطب النفسي، 1994)
تعدّ الأهداف العامة للعلاج ما يلي: مساعدة الأفراد على الشعور بالاستقرار والأمان في داخلهم وفي الآخرين، ومحاولة الفهم والتقليل من وطأة الذكريات الصادمة، والمساعدة على إعادة الانخراط كليةً في حيواتهم وعلاقاتهم مع الآخرين. (فان دير كولك وماكفارلين وأليكساندر، 1996).
تعتبر المعالجة بالحركات الراقصة منبعًا مهمًا للعلاج من التروما، لأنها ناجعة في إعادة تأهيل الجسد. فإنها تقدم أدوات حيوية لإعادة الاتصال، بالنسبة للجسد وللنفس. كما أنها تتسرب إلى الذكريات الدفينة، المسجّلة في المخ البدائي على شكل انطباعات بصرية وحسّية، ذلك لأنها تستخدم لغة الجسد والتصرّف أقل من مستوى الكلمات، الأمر الذي يعيق إرسالها إلى الإدراك الواعي. (جونسون، 1987) تقدم مساحة اللعب الابتكاري مسافة بين المشاعر الكثيفة، وبذلك يستطيع الأشخاص الحصول على طريقة آمنة للتعامل معها.
تُستخدم إحدى طرق العلاج بالفنون الابتكارية، وهي المعالجة بالحركات الراقصة، مع الأفراد والمجموعات، من أطفال ومراهقين وبالغين. في بيئة آمنة وداعمة، يستطيع كل فرد اكتشاف جسده بوصفه مصدرًا للمتعة والتعرّف على الذات. وكلما يتعلم المشاركون الثقة في أجسادهم، تزيد قدرتهم على الثقة في الآخرين والانخراط في علاقات سليمة.
دائمًا ما تبدأ المجموعات المشتركة في المعالجة بالحركات الراقصة وتنتهي في صورة دائرة. يقدّم هذا الشكل الأساسي الاستقرار، حيث يشعر الأفراد أنهم متواصلين صلة متوازنة بينهم وبين كل فرد لبقية المجموعة. يشجع القائد أعضاء المجموعة على الإنصات إلى الإرشادات القادمة من أجسادهم الخاصة، ولا يدفع الناس أبدًا للاشتراك أبعد من مستوى الارتياح الخاص بهم، أو أبعد قدراتهم الجسدية.
دائمًا ما تبدأ المجموعات بداية بطيئة بإحماء بدنيّ. وقد يُدعى المشاركون للإنصات لحركات أنفاسهم، وذلك بينما يقومون بتمرينات الفرد والثني، والتي قد جرى تطويعها لاحتياجات المجموعة. وغالبًا ما تُشغّل الموسيقى لإلهامهم، وللاشتراك في الإيقاع واللحن. وعندما يصبح المشاركون مستريحين لأنفسهم ولبقية الأفراد، سيرشدهم القائد للقيام بحركات مرسومة تشجع على التعبير الذاتي والتفاعل المرح مع الآخرين. ينتهي نشاط المجموعة بإتاحة وقت للاسترخاء والمشاركة الكلامية في التجربة ككل.
تنصّب المعالجة بالحركات الراقصة في العلاج بالطرق التالية:
الأمان
• يزيد من الوعي الجسدي، عن طريق توفير بيئة آمنة للدخول الحريص إلى الجسد، وملاحظة الدعم الذي تمنحه الأجزاء غير المصابة بالصدمة لبقية الأجزاء المصابة، وتوجيه الإدراك للمناطق المصابة، بلطف.
• يسمح بأن يتم إدراك الجسد ككل، وتنمية الثقة في المعلومات والحكمة التي يقدمها.
• يعلّم الإحساس بالجسد، منشئًا بيئة حاوية آمنة، أي مصدر فيه يمكن الإحساس بالذكريات والتكامل معها، ببطء وأمان.
• يزيد من القدرة على تهدئة النفس والتربيت عليها، وذلك بالتواصل مع الأحاسيس الممتعة التي تتحرك خلال الجسد.
• يعلّم القدرة على تواصل الجسد بالدعم الذي تقدمه الأرض، والتشبث به.
• يطوّر القدرة على التعرّف على كثافة حالات الحسّ النابعة من الجسد، والتعامل معها.
التكامل وإعادة التداول

• يشكّل المعلومات النابعة من الجسد في صورة أحلام وتخيّلات وصور ومشاعر لتصبح على هيئة تعبير بالرقص/الحركات، في حضرة معالج شاهد على هذا الأمر، والذي يعين على التحكم في كثافة التعبير لكي لا يصبح غامرًا ويعيد إحياء التروما.
• يساعد على تقبل الجسد وزيادة الثقة والاعتداد بالنفس عن طريق خلق صورة إيجابية للجسم.
• يساعد على تهدئة القلق والعصبية الناتجان عن فرط الاستثارة.
• يتحكم في المادة المشكّلة للتروما بواسطة توظيف اللعب الابتكاري.
• يستخدم الحركة والأصوات والمخيّلة للمساعدة في مكاملة انطباعات الذكرى الصادمة لتصبح في صورة رمز وقصة، وبذلك يمكّن الفرد من اكتشاف المعنى لحدوث هذه الخبرة في حياتهم.

إصلاح العلاقة مع العالم والعودة إليه
• يشجع الأفراد على تذكّر وتقبّل الخبرات المؤلمة، عن طريق عملية مشاركة تعابيرهم الحركية المبتكرة، مع الآخرين.
يعمل كلٌ من ممارسات الوعي بالجسد والحركات الإيقاعية البسيطة الموجودة في المعالجة بالحركات الراقصة على توطيد الاتصال بين المشاركين وأجسادهم، ويساعد على التعبير عن الأحاسيس. إن التواصل غير المنطوق يوحّد بين البشر بأكثر الصور العميقة إمكانًا. كما ينمّي التعرّف على الابتكارية لدى المرء والحيوية الجوهرية والقوة الشخصية من تقبّل الشخص لنفسه، ويشجّع على التعاطف والتواصل مع الآخرين. إن رؤية انعكاسك بآلامك ومشاعرك لدى آخر يتميز بالتفهم يمنحك الشعور بأنك مرئيّ وتتمتع بالقبول، بكل معاناتك، ويعزز الشعور بأنك لست وحدك. وتعمل دائرة المعالجة بالحركات الراقصة على إذابة كسور التروما، ويوفّر إمكانية الشعور بأنك مكتمل ومحاط بالحب عبر تيار الحياة الذي يموج حولنا جميعًا.

TannisHugill RCC, RDT, ADTR
Telephone: 604.267.9951
E-mail: [email protected]

المصدر

http://www.awakeningbodywisdom.com/article-circle.htm

(Visited 198 times, 1 visits today)
عن الكاتب
رزان محمود
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق